تكثف الاجهزة الامنية اللبنانية اجراءاتها لملاحقة مطلقي النار خلال تشييع عناصر حزب الله، في خطوة تعكس توجها رسميا لضبط التفلت الامني ووضع حد لمشاهد باتت تتكرر على نحو مقلق.
واعلن الجيش اللبناني في بيان صادر عن مديرية التوجيه ان وحدات عسكرية داهمت منازل متورطين في اطلاق النار خلال مراسم تشييع في الضاحية الجنوبية وبعلبك، واوقفت اثنين من المشاركين في الضاحية، اضافة الى مطلوب اخر بمذكرات توقيف عدة.
ولم تقتصر هذه الاجراءات على الضاحية، اذ اوضح بيان صادر عن مديرية التوجيه ان الجيش اوقف ايضا في حي الشراونة بعلبك المواطن (ح.ن.) وفي بلدة بريتال المواطن (س. أ.) لتورطهما في اطلاق النار خلال مراسم تشييع، مشيرا الى ضبط كمية من الاسلحة والذخائر الحربية، واكد ان المضبوطات سلمت، وبوشر التحقيق مع الموقوفين باشراف القضاء المختص، فيما تستمر الجهود لتوقيف بقية المتورطين.
جرحى في الضاحية
وتاتي هذه التحركات في وقت تتسع فيه رقعة القلق من تداعيات هذه الظاهرة، اذ تزامنت مع تصاعد حوادث اطلاق النار في عدد من المناطق، فقد سجل سقوط جرحى في منطقة الكفاءات في الضاحية الجنوبية لبيروت نتيجة اطلاق الرصاص والقذائف في الهواء خلال احدى الجنازات الاحد، ما اعاد تسليط الضوء على المخاطر المباشرة لهذه الممارسات.
وبالتوازي دفعت هذه الحوادث فرق الاسعاف الى التدخل لنقل المصابين في مشهد يعكس تحول التشييعات من لحظات وداع الى بؤر خطر مفتوحة وسط مخاوف من ان يؤدي استمرار هذا السلوك الى تداعيات امنية واجتماعية اوسع خصوصا في مناطق تعاني اساسا من توترات متكررة.
ولا يبدو ان الظاهرة محصورة جغرافيا، اذ تمتد الى البقاع حيث سبق ان نفذ الجيش اللبناني عمليات دهم واسعة في بلدة بريتال شرقي بعلبك على خلفية اطلاق نار واستخدام قذائف من نوع B7 خلال تشييع عنصرين من حزب الله في خطوة هدفت الى ملاحقة المتورطين والحد من استخدام السلاح في المناسبات العامة في سياق محاولة احتواء التفلت قبل تحوله الى واقع يصعب ضبطه.
مسار تدريجي لتكريس سلطة الدولة
ويحاول حزب الله التبرؤ من اطلاق النار، اذ اوضح الكاتب السياسي علي الامين لـ«الشرق الاوسط» ان «المؤشرات الميدانية من سقوط الرصاص في مناطق ماهولة وبين مدارس تضم طلابا تؤكد خطورة ما يجري وتظهر ان هذا السلوك لا يمكن تبريره تحت اي عنوان».
وانطلاقا من هذه الوقائع اشار الامين الى ان «الحزب يسعى بشكل غير مباشر الى التبرؤ من عمليات اطلاق النار بل وادانتها في محاولة لاحتواء تداعياتها»، لافتا الى ان «الجيش اللبناني يتعامل مع هذه الوقائع في توقيت حساس يتزامن مع مسار تفاوضي واجتماعات رسمية تهدف الى تعزيز حضور الدولة وفرض هيبتها».
وفي هذا الاطار راى ان «هناك جهدا واضحا تبذله السلطات لاظهار قدرتها على اتخاذ اجراءات تنفيذية ولو تدريجيا في اتجاه فرض حصرية السلاح»، موضحا ان «هذه الخطوات لا تاتي في سياق مواجهة مباشرة مع الحزب بل في اطار ضبط الفوضى»، واضاف: «لا يمكن لاي جهة ان تبرر اطلاق النار لان ما يجري هو استخدام استعراضي او فوضوي للسلاح».
مواجهة مكلفة مع الدولة
وعلى مستوى اوسع اعتبر الامين ان «(حزب الله) يدرك في العمق ان اي مواجهة مع الدولة او الجيش ستكون مكلفة له ولن يحقق فيها مكاسب لذلك يلجا في كثير من الاحيان الى التهويل والتصعيد الاعلامي اكثر من الذهاب الى مواجهة فعلية»، وقال: «كلما اظهرت الدولة جدية في خطواتها تراجعت حدة ردود الفعل عما يروج له مسبقا».
واكد ان «جوهر المرحلة يرتبط بقرار الدولة وليس بحجم المخاطر التي يجري تضخيمها»، مشددا على ان «هذه المخاطر ليست بالحجم الذي يصور بل تستخدم احيانا كذريعة لتعطيل اي مسار اصلاحي»، واضاف: «اذا لم تظهر الدولة بكل مؤسساتها الامنية والعسكرية قدرتها على التنفيذ فانها تخاطر فعليا بوجودها ودورها».
واكد ان «ما يجري ليس اجراء ظرفيا او خطوة معزولة بل بداية مسار جديد يتجه نحو تكريس سلطة الدولة»، مشيرا الى ان «العوامل الاقليمية والدولية الى جانب جزء من الداخل اللبناني تدفع في هذا الاتجاه»، وقال: «الحكومة تسعى من خلال هذه الاجراءات الى تثبيت موقعها كصاحبة القرار السيادي والى اظهار ان زمن السلاح المتفلت يتراجع تدريجيا لمصلحة سلطة القانون».
الظاهرة باتت عبئا والبيئة ترفضها
وتعكس المعطيات الميدانية تبدلا في المزاج داخل البيئة المحلية، وتناقل سكان الضاحية مقطع فيديو لاحد الجرحى في «حادثة البيجر» يدين فيه اطلاق النار خلال التشييعات، وقال برسالة مصورة تعكس اتساع دائرة الرفض: «هذه الممارسات تتناقض مع كل القيم ولو كان لديكم حد ادنى من المسؤولية لوجهتم سلاحكم الى حيث يجب في مواجهة العدو لا في القرى الامنة وبين الناس».
ويؤكد مصدر محلي في الضاحية الجنوبية لـ«الشرق الاوسط» حالة الغضب الشعبي، وقال ان ظاهرة اطلاق النار في التشييعات «تحولت الى عبء على (حزب الله) نفسه كما على بيئته الحاضنة التي باتت ترفضها بشكل واضح».
واضاف المصدر ان «البيئة الاجتماعية للحزب تفضل بسط سلطة القانون لمعالجة هذه الظاهرة عبر القنوات الرسمية والاجهزة المختصة بما يضمن وضع حد لها من دون حصول اي احتكاك بين الحزب وابناء بيئته».
واشار الى ان «هناك توجها متزايدا داخل المجتمع المحلي لوقف هذه الممارسات نهائيا لما تسببه من مخاطر امنية وتشويه لصورة السكان».





