شهدت القاهرة مشاورات مصرية سورية رفيعة المستوى جمعت وزيري خارجية البلدين، وذلك في أول لقاء رسمي من نوعه منذ احداث 2024 في سوريا، وجاء هذا اللقاء عقب محادثة هاتفية ودية جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره السوري أحمد الشرع في قبرص.
وتناولت الزيارة، التي تضمنت مباحثات بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني، مؤشرات إيجابية نحو تقارب العلاقات بين البلدين، وبين خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن التعاون الاقتصادي سيحظى بأولوية، خاصة مع حضور وزيري الصناعة من كلا البلدين.
زيارة تاريخية
وتعد زيارة الشيباني لمصر هي الأولى من نوعها بشكل رسمي، وسبقها اتصال هاتفي بين وزيري الخارجية في نهاية عام 2024.
وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من لقاء جمع الرئيسين السيسي والشرع على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية» التي انعقدت في قبرص في شهر أبريل الماضي، والتقى الجانبان لأول مرة خلال «القمة العربية الطارئة» في القاهرة في مارس 2025.
ومنذ احداث 2024، شهدت العلاقات المصرية السورية تحركا حذرا نحو اتصالات ثنائية، مدفوعة بمخاوف مصرية بشأن ملف المسلحين، قبل أن تتجه الأمور نحو تعاون اقتصادي.
وزار وفد تجاري مصري دمشق في بداية عام 2026، في أول زيارة من نوعها منذ 15 عاما، وبحث الجانبان التعاون خلال «ملتقى اقتصادي» مشترك، وذلك بعد أيام من توقيع مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة لتوريد الغاز المصري إلى سوريا بهدف توليد الكهرباء.
واوضح تلفزيون سوريا أن زيارة الشيباني تعكس حراكا دبلوماسيا لافتا بين دمشق والقاهرة، وتعد اختبارا لإمكانية إعادة تنشيط العلاقات بين البلدين بعد فترة من الجمود، وبين أن الدولتين تتجهان نحو مرحلة أكثر استقرارا، خاصة في ملف اعتماد الدبلوماسيين.
وبمناسبة الزيارة، أصدر وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، المشارك في الزيارة، قرارا بتشكيل مجلس الأعمال السوري المصري من الجانب السوري، وكلف غسان كريم برئاسة المجلس.
وتم تشكيل المجلس السوري المصري بناء على القرار الرئاسي رقم 9 لسنة 2025، وعلى النظام الأساسي لمجالس الأعمال السورية المشتركة مع دول العالم، حسب ما نشرته وزارة الاقتصاد والصناعة.
واشارت الوزارة إلى أن المجلس هو الوحيد المعتمد لتنسيق وتنظيم وتطوير مجالس الأعمال المشتركة السورية مع دول العالم.
ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» السفير محمد حجازي أن زيارة وزير الخارجية السوري للقاهرة تمثل مؤشرا إيجابيا على تحرك تدريجي نحو كسر الجمود في العلاقات المصرية السورية.
ويعتقد أن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي يعتمد على تقدم ملموس في الملفات الأمنية والمؤسسية داخل سوريا، وعلى رأسها ضمان استقرار الدولة الوطنية وضبط البيئة الأمنية وتكريس سيادة المؤسسات.
واكد حجازي أن الاقتصاد سيكون مجالا للتعاون، خاصة في مجالات إعادة الإعمار والطاقة والتجارة وبناء القدرات، وهذا الباب يمكن أن يعزز الثقة المتبادلة.
ويرى المحلل السياسي السوري عبد الله الحمد أن زيارة الشيباني تحمل فرصا لكسر الجمود والتقارب مع مصر، الدولة ذات الثقل في المنطقة، وتوقع التوصل إلى علاقات دافئة في ضوء لقاءات أمنية سرية لترتيب أجندة التعاون.
ولفت إلى أن اللقاء الاقتصادي بين البلدين واستقبال الرئيس الشرع للوفد المصري يؤكد أن الاقتصاد سيكون مسارا مهما لتنمية العلاقات.
معالجة التخوفات المصرية
وكشف بيان لوزارة الخارجية المصرية أن عبد العاطي والشيباني عقدا جلسة مباحثات موسعة بمشاركة وزيري الصناعة من البلدين، وتناولت سبل تعزيز العلاقات وتنسيق المواقف إزاء التطورات الإقليمية.
وحملت كلمة الوزير المصري تأكيدا على دعم مصر لسوريا وعمق الروابط التاريخية والثقافية، واشار إلى أن موقف القاهرة تجاه الأزمة السورية استند إلى دعم استعادة الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدة سوريا.
وشدد عبد العاطي على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية ورفض التدخلات الخارجية ومكافحة الإرهاب والتطرف، وأن تكون سوريا مصدرا للاستقرار.
وعلى الصعيد الإقليمي، أعرب عبد العاطي عن رفض مصر لانتهاكات إسرائيل للسيادة السورية، وجدد إدانة مصر لهذه الانتهاكات، وشدد على موقف مصر الداعم لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري.
وناقشت المباحثات التطورات الإقليمية، بما في ذلك مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية والمساعي المبذولة لخفض التصعيد، وتم تبادل الرؤى حول الأوضاع في لبنان.
وفي ضوء ذلك، يعتقد حجازي أن التقارب ممكن، لكنه سيتقدم بحذر في ظل تعقيدات الإقليم ومستقبل الأوضاع في سوريا.
وشدد حجازي على أن سوريا في قلب الدبلوماسية المصرية، ويرتبط بها كل مصري بالأمل في استقرارها.
ويرى المحلل السياسي عبد الله الحمد أن ملفات اقتصادية وأمنية وتنسيق دبلوماسي ستكون في أولوية البلدين مع معالجة أي تخوفات مصرية، خاصة وأن دمشق تمر بمرحلة انتقالية وجاهزة لحل أي تحديات تواجه العلاقات.





