وسط تصاعد التوترات في المنطقة، يبرز سؤال ملح: هل ينجح الحصار البحري الامريكي المفروض على ايران في تحقيق اختراق سياسي يفتح مضيق هرمز ويكسر جمود الملف النووي، دون الانزلاق الى صراع واسع النطاق؟
كشفت تقديرات صادرة عن البنتاغون ان الحصار كبد ايران خسائر تقدر بنحو 4.8 مليار دولار من عائدات النفط، وذلك عبر منع 31 ناقلة تحمل 53 مليون برميل من النفط من الابحار في الخليج، وتحويل مسار اكثر من 40 سفينة حاولت خرق الحصار.
واضافت التقديرات ان هذه الخسائر تتجاوز مجرد الايرادات الانية، حيث تقترب ايران من نقطة حرجة قد تضطرها الى وقف انتاج النفط بسبب عدم قدرتها على تصريفه، الامر الذي قد يؤدي الى اضرار طويلة الامد بحقولها النفطية المتقادمة.
وبينما تدرس واشنطن خياراتها، يبقى السؤال المطروح: هل يكفي الضغط الاقتصادي وحده لتحقيق اهدافها، ام ان الحصار سيقود الى تصعيد عسكري جديد؟
الحصار يضيق الخناق على الاقتصاد الايراني
قال مدير مشروع ازدهار ايران، سعيد قاسمي نجاد، ان الحصار البحري الامريكي يمثل اداة مدمرة وفعالة للغاية للاقتصاد الايراني.
واوضح ان قطع الوصول البحري الى الموانئ الايرانية ادى الى خنق اكثر من مليون برميل يوميا من صادرات النفط الخام الايرانية، مشيرا الى ان الضغط الحالي قد يدفع الصادرات النفطية الايرانية الى الصفر، بالتوازي مع خنق قطاعات البتروكيماويات والقطاعات غير النفطية.
واكد ان الحصار الحالي يقطع الطريق البحري نفسه امام ايران، الامر الذي دفعها الى استخدام ناقلات قديمة كمخازن عائمة، وسلك بعض السفن طرقا اطول واكثر تكلفة الى الصين لتفادي الاعتراض البحري.
وحذر من ان الازمة تقترب من نقطة تحول حرجة، حيث يمكن ان تستنفد طهران طاقتها التخزينية المحلية بحلول منتصف يونيو، ما سيضطرها الى خفض الانتاج او وقفه، وهي خطوة تهدد بالاضرار الدائم بالحقول النفطية القديمة وتعميق الثقب المالي الاسود.
وشدد على ان الحصار لم يعد مجرد وسيلة ضغط تفاوضية، بل محاولة لدفع بنية الاقتصاد الريعي الايراني الى حافة عطب يصعب اصلاحه سريعا.
جمود في المفاوضات النووية
في سياق متصل، قدمت ايران عرضا جديدا عبر وسطاء باكستانيين، يتضمن ليونة جزئية في شروطها السابقة، حيث ابدت استعدادها لمناقشة شروط فتح مضيق هرمز بالتزامن مع ضمانات امريكية لانهاء الهجمات وتفكيك الحصار على الموانئ، ثم الانتقال لاحقا الى بحث الملف النووي مقابل تخفيف العقوبات.
الا ان الفجوة ما زالت واسعة، حيث تطالب واشنطن بوقف تخصيب الوقود النووي الايراني لفترة قد تصل الى 20 عاما، وتسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60 في المائة، في حين ترفض طهران حتى الان تنازلات كبيرة في الملف النووي، وتتعامل معه كورقة اخيرة للردع.
ويرى قاسمي نجاد ان السؤال المطروح هو: هل يكفي هذا الاستنزاف الاستراتيجي لاجبار طهران على فتح مضيق هرمز والتخلي عن برنامجها النووي؟
واشار الى ان التاريخ يظهر ان النظام الايراني سيعطي الاولوية لبقائه على تقديم التنازلات، مرجحا ان تنظر القيادة الايرانية الى الورقة النووية كبوليصة التامين الاخيرة لبقاء النظام، مستبعدا حصول اختراق دبلوماسي كبير بحلول اواخر الشهر الحالي دون تصعيد عسكري اضافي.
وحسب محللين، فان المازق الامريكي يكمن في ان واشنطن تراهن على ان الوقت في صالحها، لكنها لا تستطيع تجاهل ان استمرار اغلاق مضيق هرمز يرفع اسعار النفط ويزيد الضغط السياسي الداخلي في الولايات المتحدة.
منطقة رمادية قابلة للاشتعال
يقدم الباحث في معهد الشرق الاوسط، اليكس فاتنكا، قراءة مختلفة، حيث يرى ان المواجهة الحالية غير مستقرة واكثر عرضة للتصعيد.
واكد ان الحرب الشاملة ليست حتمية، لكن خطر التصعيد حقيقي ومتزايد، واصفا الحصار الامريكي بانه يقع في منطقة رمادية يمكن ان تشعل صراعا جديدا عبر سوء الحسابات او الضغط الاقتصادي المتزايد.
واضاف ان هذه المنطقة الرمادية تظهر ايضا في الجدل القانوني داخل واشنطن، حيث ابلغ ترمب الكونغرس بان الاعمال العدائية مع ايران انتهت، محاولا تجاوز المهلة المنصوص عليها في قانون صلاحيات الحرب.
وبين ان الادارة الامريكية نفسها تواصل فرض حصار بحري وتبقي عشرات الاف الجنود والقطع البحرية في المنطقة، ولا تستبعد ضربات جديدة.
وشدد على ان الحصار في القانون الدولي يعد عملا حربيا، الامر الذي يجعل حجة الادارة عرضة للطعن السياسي والقانوني.
خيار التصعيد ومعضلة النهاية
في ظل هذا الوضع، تتزايد الضغوط على ترمب من معسكر يرى ان التفاوض مضيعة للوقت، حيث دعا الجنرال المتقاعد جاك كين الى استئناف القصف، قائلا ان القيادة الايرانية لا تبالي بمعاناة شعبها وان الولايات المتحدة تستطيع اجبار طهران على تغيير موقفها خلال اسبوعين.
واقترح ان تشمل الاهداف الجديدة مواقع قيادية وصواريخ باليستية وما تبقى من البرنامج النووي ومخازن المسيرات والبنية التحتية للطاقة.
الا ان هذا الخيار يحمل اخطارا، حيث يرى البعض ان المزيد من الضربات قد لا يؤدي بالضرورة الى استسلام النظام، بل قد يعزز منطقه الامني ويدفعه الى استخدام ما تبقى لديه من اوراق، مثل اغلاق اوسع لهرمز وتنفيذ هجمات على ناقلات وتصعيد عبر وكلاء.
وختاما، فان الحصار الامريكي نجح في نقل الضغط الى البحر وخنق الموارد، لكنه لم يحسم بعد السؤال السياسي الاهم: هل يمكن اجبار نظام يرى برنامجه النووي ضمانة لبقائه على التخلي عنه عبر الاختناق الاقتصادي وحده؟





