لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد سباق تكنولوجي، بل تحول الى صراع جيوسياسي يعيد رسم موازين القوة العالمية، فبين الولايات المتحدة والصين تدور معركة نماذج، بينما تبدو اوروبا في موقع المتفرج الى حد بعيد.
واكدت صحيفة لوتان السويسرية هذا التوافق بعبارة حاسمة في عنوانها، من يسيطر على الذكاء الاصطناعي يسيطر على العالم، مشيرة الى ان هذه التكنولوجيا تتسلل الى كل شيء، من الحياة اليومية الى الاقتصاد والسياسة.
وتجمع صحف لوتان ولوفيغارو ولوموند على ان الصراع لم يعد يتعلق بعدد المعالجات او قوة الخوارزميات، بل بالنفوذ العالمي، فالنماذج ليست محايدة، بل تعكس اختيارات ثقافية وسياسية، مما يجعلها اداة قوة ناعمة عرفت الصين كيف تستغلها بامتياز.
وتبرز هنا بكين التي تراهن على النماذج المفتوحة لنشر تقنياتها عالميا، مما يتيح خلق تبعية تدريجية دون فرض مباشر، وتلفت الصحيفة الى ان هذه النماذج تحدد المعايير سواء في المحتوى او طريقة التفاعل، وهو ما يمنح بكين نفوذا يتجاوز حدودها.
وفي تقرير اخر، ذهبت لوتان في مقال لانوش سيدتاغيا رئيس قسم الامن السيبراني فيها، ابعد من ذلك، معتبرة ان الكارثة التي كانت تخشاها الولايات المتحدة قد وقعت بالفعل مع صعود شركة ديب سيك.
واوضح خبراء ان اطلاق نموذج قوي ومنخفض التكلفة، ثم تطويره باستخدام رقائق صينية من هواوي، يمثل منعطفا حاسما في سباق الاستقلال التكنولوجي.
وحذر احد المتخصصين من ان انتشار هذه النماذج عالميا قد يجعل التكنولوجيا الصينية هي المعيار العالمي، خاصة مع فارق الاسعار الكبير مقارنة بالنماذج الغربية.
وكشفت الصحيفة ان هذه التطورات اظهرت نتيجة عكسية للعقوبات الامريكية، اذ ان القيود على التصدير سرعت تطوير نظام تكنولوجي صيني مستقل بدلا من ان تعيقه.
اوروبا.. الغائب الحاضر
وفي مقابل هذا التصاعد، تتفق التحليلات على ان اوروبا لم تحجز لنفسها موقعا مؤثرا بعد، فبينما تتنافس واشنطن وبكين على الريادة تكافح اوروبا لتطوير نماذج من الطراز الاول بحسب لوتان.
ورغم بعض المبادرات، فان القارة لا تزال تفتقر الى منظومة متكاملة تجمع التمويل والابتكار والسرعة اللازمة لمجاراة هذا السباق.
وهذا القلق يتردد صداه في صحيفة لوموند الفرنسية، حيث حذر المستثمر الامريكي تشارلز فيرغيسون من ان الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة تفوق قدرة المجتمعات على التكيف، كما نبه الى مخاطر عميقة من التضليل الاعلامي الى تركز الثروة.
وفي حوار له مع الاقتصادي الفرنسي الحائز على نوبل فيليب اغيون، اتفق الاثنان على ان الذكاء الاصطناعي يطرح تحديات بقدر ما يقدم فرصا، مؤكدين ان العالم يقف امام تحول جذري يتطلب استجابة عاجلة ومتعددة الابعاد.
ويرى فيرغسون ان سرعة تطور الذكاء الاصطناعي تجعل من الصعب حتى على المتخصصين مواكبته، قائلا هذه التكنولوجيا تغير كل شيء ومن الصعب للغاية على انسان ان يفهم ديناميكيتها، منتقدا في الوقت ذاته غياب التنسيق بين مجالات مثل الاقتصاد والقانون والتكنولوجيا، حيث تعمل في جزر معزولة بحسب وصفه.
وفي المقابل، اقر اغيون بوجود هذا التحدي، لكنه اشار الى محاولات لتداركه عبر لجان متعددة التخصصات، مؤكدا ان فهم الظاهرة يتطلب تعاونا واسعا بين الخبراء.
ويعكس هذا النقاش تباينا في النبرة، اذ يصف فيرغسون نفسه بانه متفائل جدا وقلق بشكل جذري في ان واحد، محذرا من مخاطر حقيقية مثل التضليل الاعلامي، حيث يقول خلال عامين لن تتمكن من التمييز بين الفيديو الحقيقي والمزيف، كما نبه الى احتمال استبدال نسبة كبيرة من الوظائف او على الاقل حدوث صدمات مفاجئة في سوق العمل.
اما اغيون، فيتبنى ما يسميه تفاؤلا حذرا، مشددا على ان الذكاء الاصطناعي امر واقع لا يمكن ايقافه، وان محاولة عرقلته في اوروبا ستدفع بتطوره الى مناطق اخرى اقل التزاما بالضوابط، وطرح بدلا من ذلك سؤالا عمليا كيف يمكن استخدام هذه التكنولوجيا لتعزيز النمو وتقليل اللامساواة؟
ويتفق الطرفان على ان سوق العمل سيكون من اكثر المجالات تاثرا، ويقترح اغيون اصلاحات عميقة مستوحاة من النموذج الاسكندنافي، خاصة نظام المرونة مع الامان، موضحا ان المرونة للشركات يجب ان تقابلها حماية قوية للعمال بما في ذلك دعم مالي واعادة تاهيل مهني.
كما يؤكد على ضرورة اصلاح التعليم، محذرا من تراجعه، ومشددا على اهمية تعليم المهارات الاساسية والقدرة على التعلم الذاتي الى جانب المهارات السلوكية مثل العمل الجماعي والاستقلالية.
وحذر فيرغسون من ان الذكاء الاصطناعي قد يؤدي الى تركز غير مسبوق للثروة، قائلا ان العالم قد يشهد قريبا ظهور الاف المليارديرات الشباب، ما يهدد التوازنات الديمقراطية.
ويوافقه اغيون على هذا الخطر، مشيرا الى ضرورة فرض ضرائب عادلة وسياسات منافسة فعالة لمنع الاحتكار، مع التحذير من ان الافراط في التنظيم قد يضر بالابتكار ويعيق دخول شركات جديدة.
ويرفض الطرفان فكرة وقف تطوير الذكاء الاصطناعي مؤقتا، حيث وصفها فيرغسون بانها فكرة سخيفة في عالم تنافسي في ظل سباق دولي محتدم، لكنهما متفقان على ان الحل يكمن في مزيج من الاصلاحات الاقتصادية والتعليمية والتنظيمية، لضمان ان تكون هذه الثورة في خدمة المجتمع لا على حسابه.
البعد العسكري والاخلاقي
وتكشف صحيفة لوفيغارو جانبا اخر من الصراع يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، فقد عارض مئات الموظفين داخل غوغل التعاون مع الجيش الامريكي، محذرين من انه لا توجد وسيلة لضمان عدم استخدام هذه الادوات لاحداث اضرار فادحة او تقليص الحريات.
هذا الجدل يعكس اتساع رقعة التنافس من الاقتصاد الى الامن والدفاع، حيث تسعى الدول الى امتلاك تفوق تقني قد يترجم مباشرة الى قوة عسكرية.
ومما سبق يمكن الخروج بالخلاصة التالية بين طموح صيني يتسارع وهيمنة امريكية تسعى للحفاظ على تفوقها وتردد اوروبي واضح، تتشكل ملامح عالم جديد، عالم تصبح فيه الخوارزميات ادوات نفوذ والنماذج اللغوية وسائل هيمنة.
وفي قلب هذا التحول تبرز معادلة باتت تتكرر في مختلف التحليلات من يملك الذكاء الاصطناعي يملك مفاتيح القوة في العالم القادم.





