في خطوة مفاجئة وغير مسبوقة، أعلنت شركة ابل عن شراكة استراتيجية مع غوغل، تهدف إلى دمج محرك البحث والذكاء الاصطناعي الخاص بغوغل في نظام التشغيل الخاص بها "سيري". هذا التحول يمثل نقطة تحول جذرية في مسيرة سيري، حيث تتجاوز دورها كمجرد مساعد رقمي بسيط إلى واجهة برمجية متطورة تعتمد على أحد أقوى النماذج اللغوية في العالم، وهو جيمناي 2.5 برو.
هذا التحالف، الذي تقدر قيمته بمليار دولار سنويا، يضع حدا لمحاولات ابل المستمرة للحاق بركب الذكاء الاصطناعي التوليدي بمفردها، معلنا عن بداية حقبة جديدة من التعاون التقني وتجاوز المنافسة الشرسة بين الشركتين.
اللحظة التي تغير فيها كل شيء
في بيان مشترك صدر عن مدونة غوغل الرسمية، كشفت الشركتان عن دخولهما في "تعاون متعدد السنوات يتم بموجبه بناء الجيل القادم من نماذج ابل الأساسية بالاعتماد على نماذج جيمناي وبنيتها السحابية". واضاف البيان ان هذه النماذج "ستساهم في تشغيل مزايا ذكاء ابل المستقبلية، بما في ذلك نسخة أكثر تخصيصا من سيري ستصدر هذا العام".
واللافت في البيان كان تلك الجملة التي تكشف حجم التغيير الذي احدثه هذا الإعلان، وهي "بعد تقييم دقيق، توصلت ابل إلى أن تقنية غوغل توفر الأساس الأكثر قوة لنماذج ابل الأساسية". وبينت صحيفة بلومبيرغ الأمريكية، ان هذه الجملة تعني ضمنا ان ابل اختبرت منافسين آخرين، بمن فيهم اوبن ايه اي وانثروبيك، قبل الاستقرار على غوغل.
واشارت تقارير أخرى تناولت الموضوع، إلى أن التقديرات المالية للصفقة تتراوح بين مليار و1.5 مليار دولار سنويا، وفقا لما ذكره المحرر مارك غورمان في بلومبيرغ. وكشف غورمان لاحقا ان تقنية الذكاء الاصطناعي المرخصة هي نموذج جيمناي مخصص من الجيل الثالث (Gemini 3)، والذي يعمل بـ 1.2 تريليون معامل (parameter)، مقارنة بـ 150 مليار معامل كانت تشغل نماذج ابل الداخلية للمعالجة السحابية، وفقا لموقع تيك إنسايدر الأمريكي.
قوة تفوق سيري بـ 8 أضعاف
سيري الجديدة، التي تعتمد الآن على نموذج غوغل المتقدم الذي يمتلك 1.2 تريليون معامل، تعمل بقدرات فائقة. وأدى هذا الانتقال إلى قفزة نوعية في الأداء من حيث:
- دقة المهام المعقدة: ارتفع معدل نجاح سيري في تنفيذ الأوامر المتعددة الخطوات من 58% إلى 92%.
- سرعة الاستجابة: بفضل تحسينات غوغل، تراجع وقت الاستجابة إلى أقل من 0.5 ثانية، وهو ضعف سرعة النسخة السابقة.
- الوعي البصري المحسن: الميزة الأكثر إثارة هي "إدراك الشاشة"، حيث يمكن لسيري الآن تحليل ما يراه المستخدم على الشاشة، سواء كان مقالا أو صورة أو تطبيقا، وتقديم مساعدة فورية بناء على المحتوى البصري دون تدخل يدوي.
من "اي او اس 26.4" إلى "اي او اس 27"
ووفقا لتصريحات المدير التنفيذي لغوغل كلاود، توماس كوريان، فإن التكامل سيتم على مراحل:
- المرحلة الحالية (ربيع 2026): إطلاق نظام اي او اس 26.4 الذي يقدم سيري بهيكلية جيمناي بتقنية العلامة البيضاء (White-labeled)، حيث تختفي علامة غوغل التجارية تماما خلف واجهة ابل المعهودة.
- المرحلة القادمة (خريف 2026): مع إطلاق اي او اس 27، ستتحول سيري إلى "وكيل ذكي" قادر على إدارة محادثات مستمرة تصل إلى 20 جولة مع الاحتفاظ الكامل بالسياق التاريخي للمحادثة.
معادلة الخصوصية.. "العقل لغوغل والبيانات لابل"
وكحال كل الاتفاقات بين الشركات الكبرى، كانت الخصوصية هي العقبة الأكبر في هذا الاتفاق. وللتغلب على هذه المعضلة، اعتمدت ابل بنية برايفيت كلاود كومبيوت (Private Cloud Compute – PCC). وبحسب التقارير، فإن البيانات ستعالج وفقا للبروتوكولات التالية:
- تشفير الطرفين: البيانات التي ترسل لنموذج جيمناي ستجرد من أي معرفات شخصية عبر إخفاء الهوية (Anonymization).
- المعالجة في الذاكرة المؤقتة: لن يتم تخزين الاستفسارات على خوادم غوغل، ويحظر على غوغل استخدام بيانات مستخدمي ابل لتدريب نماذجها المستقبلية.
مستقبل "السيادة الذكية"
ويرى المحللون أن هذا التحالف هو اعتراف ضمني بأن امتلاك "التوزيع" أهم من امتلاك "النموذج" نفسه. وقال دان ايفز، محلل الشؤون التقنية في شركة ويدبوش (Wedbush) الأمريكية، إن "هذا التحالف ليس مجرد صفقة تجارية، بل هو حجر زاوية لتسريع استراتيجية ابل في الذكاء الاصطناعي حتى عام 2030".
وبين الخبير التقني ديباك غوبتا التعاون بين ابل وغوغل قائلا "لقد فازت غوغل بالانتشار، وفازت ابل بالذكاء دون التضحية بسمعتها في الخصوصية. فهذا العام لم يعد السؤال من لديه أفضل ذكاء اصطناعي؟ بل من لديه أفضل تكامل مع حياة المستخدم اليومية؟".
وبهذا التحول، تغلق ابل صفحة المساعد الشخصي التقليدي، لتفتح فصلا جديدا يكون فيه "ايفون" هو النافذة الأقوى لقدرات غوغل الهائلة، مغلفة بوعود ابل الأمنية الصارمة.





