لم يعد انتظار رواية جديدة لكاتب مشهور كما كان في السابق، ففي ظل التطور التكنولوجي، أصبحت الروايات متوفرة بنسخ إلكترونية ومسربة على الإنترنت، الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل وصل إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على كتابة قصص وروايات خيالية دون الحاجة إلى كاتب بشري.
فكيف استطاع الذكاء الاصطناعي أن يكتب مكان الإنسان؟ وهل يمكن أن يحل محل روح الأديب ولمسته الإنسانية في الكتابة؟
كيف تعلمت النماذج اللغوية أن تكتب روايات؟
قبل الحديث عن خطر الروايات المولدة بالذكاء الاصطناعي، يجب فهم آلية عملها، فالنماذج اللغوية الكبرى تستهلك كميات هائلة من النصوص البشرية في مرحلة التدريب، وتعتبر الكتب المحررة والمنشورة من أكثر المصادر قيمة لها.
لكن المشكلة تكمن في أن معظم الشركات لم تستأذن أصحاب هذه الكتب، وفقا لدعوى رفعتها نقابة الكتاب الأمريكيين ضد اوبن ايه اي عام 2023، والتي ذكرت أن هذه الخوارزميات تعتمد على سرقة منهجية واسعة النطاق، حيث جردت الكتب المستخدمة في التدريب من مستودعات قرصنة إلكترونية.
وفي هذه الدعوى التي ضمت أكثر من 17 روائيا، طالبت النقابة بإيقاف اوبن ايه اي عن استخدام أعمال الكتاب لتدريب نماذجها، مع المطالبة بتعويضات مالية قد تصل إلى 150 ألف دولار عن كل عمل منتهك حقوقه.
فيضان الكتب المولدة.. هل يهدد السوق؟
تعتبر منصة كيندل دي بي التابعة لامازون من أكثر المنصات معالجة للكتب الرقمية، حيث تعالج ما يقارب 1.4 مليون عنوان نشر ذاتي سنويا، وتحقق نحو 28 مليار دولار من مبيعات الكتب حول العالم.
لكن منذ 2023، بدأت المنصة تشهد ظاهرة غير مسبوقة، حيث تظهر يوميا عشرات النسخ لكتب مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، بعضها يحمل أسماء روائيين حقيقيين.
فقد اكتشفت الكاتبة الكندية كاثرين تساليكيس عام 2024 وجود نسخة مزيفة من كتابها في صفحتها على امازون، بغلاف مشوه ونص محرف، ورغم ذلك، اتخذت المنصة إجراءات وقائية محدودة، مثل تحديد الحد الأقصى بثلاثة كتب يوميا لكل كاتب، وإلزام الناشرين بالإفصاح عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي.
وفي السياق ذاته، سجلت منصة درافت تو ديجيتال الأمريكية ارتفاعا في حجم المواد الواردة إليها بنسبة 50% مقارنة بالمعدل المعتاد عام 2024، وبين المدير التشغيلي للمنصة أن المنصة تتبع الحسابات المشبوهة بناء على أنماط النشر غير الطبيعية، مؤكدا أن الجهات السيئة النية باتت تعتمد على الذكاء الاصطناعي بعد أن كانت تلجأ إلى كتاب بأجور زهيدة.
تهديد الجودة
ربما يكون الخطر الأشد غموضا هو تهديد الجودة الأدبية ذاتها، فقد أظهرت الدراسات أن القراء لا يستطيعون بسهولة التمييز بين المواد المولدة بالذكاء الاصطناعي والمواد المكتوبة بأيد بشرية، حيث نجح نص تم توليده بالذكاء الاصطناعي في اجتياز جولة التصفية الأولى لجائزة هوشي شينيتشي الأدبية اليابانية.
ورغم ذلك، أشارت دراسة أكاديمية من منصة أركايف الأمريكية إلى أن الكتابة الإبداعية للذكاء الاصطناعي لا تزال تتسم بالابتذال والنثر المنمق والاسترسال غير الضروري، وأن الاعتماد على الأدوات التوليدية يقلص التنوع الإجمالي في محتوى الروايات.
وفي السياق ذاته، حذر تقرير لجامعة كامبريدج البريطانية من أن الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى روايات أكثر سطحية ونمطية تكرس الصور النمطية، اذ تعيد النماذج ما استوعبته من قرون من النصوص السابقة، ومن المفارقة أن ثلث الروائيين المستطلعين يقرون باستخدام الذكاء الاصطناعي في مهام غير إبداعية كالبحث.
هل وضعت "كراكتر إيه آي" نهاية لعصر الروائيين؟
تعتمد منصات مثل كراكتر ايه اي على نماذج لغوية تتوقع الكلمة التالية بناء على احتمالات إحصائية، وبذلك هي تمنحك محاكاة للشخصية، لكنها تفتقر إلى ما يسميه النقاد وحدة المصير، فالروائي لا يكتب حوارا فحسب، بل يبني فلسفة كاملة وتطورا نفسيا نابعا من تجربة إنسانية حقيقية، وهو ما يعجز الذكاء الاصطناعي عن الشعور به.
كما أن الذكاء الاصطناعي يوفر متعة لحظية وتفاعلا لا نهائيا، لكنه غالبا ما يفتقر إلى الرؤية الشاملة، فالرواية التي يولدها الذكاء الاصطناعي تضيع أحيانا في تفاصيل الحوار وتفقد الحبكة الكبرى أو التماسك الدرامي الطويل، أما الروائي، فهو يمتلك القدرة على زرع بذور في الفصل الأول لا تزهر إلا في الفصل الأخير.
لكن وسط هذا المشهد، يطرح كثير من الأدباء والباحثين تساؤلا جوهريا: هل حقا يشكل الذكاء الاصطناعي تهديدا مطلقا؟ وكانت الإجابة للدراسة الأكاديمية من أركايف نافية مع تحفظ، فالذكاء الاصطناعي ينتج نصا وسطيا يعكس متوسطا إحصائيا لملايين الأصوات، لا صوتا فريدا، وأن الاعتماد على هذه الأدوات يقلص التنوع الجماعي في الأدب.
في المقابل، يلاحظ أن بعض الروائيين يتوقعون ازدهار الكتابة التجريبية كرد فعل على الأسلوب الآلي، أي أن الضغط قد يدفع الكتابة الإنسانية نحو حدودها القصوى بدلا من أن يفنيها، وذلك حسب تقرير جامعة كامبريدج.
من جانب آخر ومن الناحية الفنية، فإن الخطر يمتد إلى البناء الهيكلي للرواية، فبينما يمتلك الروائي البشري قدرة التخطيط الدرامي طويل الأمد، تظل الخوارزميات حبيسة المتعة اللحظية والحوارات المكررة، مما ينتج روايات تفتقر إلى وحدة المصير أو العمق النفسي الصادق.
ومع ذلك، تشير نقابة الكتاب الأمريكية إلى أن التكنولوجيا ليست شرا مطلقا إذا ما وضعت تحت إطار قانوني صارم، مثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، الذي بدأ يفرض وسم المحتوى الآلي لضمان الشفافية.
لكن يبقى التحدي الوجودي أمام الروائي المعاصر هو الحفاظ على البصمة البشرية والصدق العاطفي، وهي مناطق لا تزال الآلة عاجزة عن اقتحامها، لأن الرواية في جوهرها هي شهادة إنسانية وليست مجرد ترتيب متقن للكلمات.
ويقول المراقبون إن ما يكشفه الرصد الميداني والأرقام والمواقف القانونية هو أن الذكاء الاصطناعي لن ينهي الرواية، لكنه سيعيد رسم خريطة من يستطيع الكتابة والعيش منها، فالكتاب الأكثر ضعفا هم المبتدئون الذين يمتهنون الكتابة كتجارة، أما الأصوات الأدبية العميقة فهي تبدو حتى اللحظة في مأمن نسبي.
ويؤكد المراقبون أيضا أن الأزمة الحقيقية ليست ما تكتبه الآلة اليوم، بل ما لن يستطيع الكاتب الإنساني كتابته غدا إذا جففت المنابع قبل أن تنضج الأصوات الجديدة، وفي لحظة تاريخية يتصاعد فيها الاستقطاب بين الكم والنوع، علينا أن نعيد صياغة سؤال: هل يكتب الذكاء الاصطناعي جيدا؟ ليصبح السؤال الجديد: هل نريد أن تحكى القصص والروايات بمعادلات رياضية؟
-
-
-
-
اضافات كروم لا غنى عنها لتحسين تجربة التصفح2026-04-24 -
