انثروبيك تتحدى البنتاغون وترسم مستقبل الذكاء الاصطناعي

انثروبيك تتحدى البنتاغون وترسم مستقبل الذكاء الاصطناعي

تعد شركة انثروبيك لاعبا رئيسيا في مجال ابحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، واكتسبت شهرة واسعة بفضل تطويرها لعائلة نماذج "كلود"، التي تمثل جوهرها التقني، كما انها تتبنى مقاربة فريدة تحت مسمى "الذكاء الاصطناعي الدستوري" بهدف تنظيم سلوك النماذج وضمان توافقها مع القيم الانسانية.

وبرزت انثروبيك كقوة مؤثرة لا تقتصر على الجانب التقني فحسب، بل تمتد لتشمل تفاعل التكنولوجيا مع السياسات العامة، خاصة في ظل التوترات المتزايدة بينها وبين وزارة الحرب الامريكية (البنتاغون) بسبب رفضها استخدام تقنياتها في التطبيقات العسكرية، الامر الذي استدعى تدخلات ومناقشات على اعلى المستويات داخل البيت الابيض.

النشأة والتأسيس

تاسست شركة انثروبيك في عام 2021 على يد مجموعة من الباحثين السابقين في شركة "اوبن اي اي"، وذلك في خضم تحولات وانقسامات شهدها قطاع الذكاء الاصطناعي، وكان الهدف من ذلك هو انشاء كيان جديد برؤية مختلفة.

وجاء تاسيس الشركة على يد نخبة من الاسماء البارزة في هذا المجال، من بينهم داريو امودي وشقيقته دانيلا امودي، بالاضافة الى الفيزيائي النظري جاريد كابلان والباحث كريس اولاه، وقد سعى هؤلاء الى تطوير نموذج عمل يوازن بين التقدم التقني والاعتبارات الاخلاقية.

فلسفة الشركة

تقوم الفلسفة المؤسسية لشركة انثروبيك، كما هو مذكور في موقعها الالكتروني، على مفهوم "سلامة الذكاء الاصطناعي"، انطلاقا من ايمانها بضرورة ضمان توافق انظمة الذكاء الاصطناعي مع مصالح البشر ومنع انحرافها نحو استخدامات ضارة.

ووضعت الشركة فلسفتها استنادا الى مجموعة من المبادئ التي تؤكد انها تشكل اطارها الاخلاقي والاستراتيجي، حيث اعتمدت على هيكل قانوني من نوع "شركة المنفعة العامة"، وطورت ايضا مقاربة "الذكاء الاصطناعي الدستوري" التي تعتمد على تدريب النماذج وفقا "لدستور" من القيم والمبادئ الاخلاقية الموجهة.

وتنطلق رؤيتها، كما تقول، من مفهوم "امساك النور والظل"، وهو ما يعني تحقيق التوازن بين ادراك المخاطر الكارثية المحتملة وتسخير فوائد الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه.

ابرز منتجاتها

تطور شركة انثروبيك منظومة متكاملة من النماذج اللغوية والتطبيقات الموجهة لبيئات العمل والمطورين، وذلك ضمن استراتيجية تهدف الى دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات المهنية والتقنية بشكل عملي وامن، وفيما يلي عرض لابرز منتجاتها ومشاريعها:

  • تعد عائلة نماذج "كلود" المنتج الرئيسي للشركة، وهي سلسلة من "النماذج اللغوية الضخمة" التي شهدت عدة اصدارات متتالية مع تنويعات مصممة لتلبية احتياجات مختلفة، مثل "اوبوس" و"سونيت" و"هايكو".

وفي اطار توسيع نطاق الاستخدام المؤسسي، طورت الشركة اداة "كلود كو-وورك"، وهي منصة مخصصة لاتمتة سير العمل داخل المؤسسات، حيث تتيح للذكاء الاصطناعي التعامل مع الملفات من خلال قراءتها وتعديلها وانشائها، مما يدعم تنفيذ المهام المتسلسلة في مجالات مثل الموارد البشرية والخدمات المالية والتصميم.

كما اطلقت انثروبيك اداة "كلود كود"، وهي بيئة تطوير تستهدف المبرمجين، وتوفر دعما في كتابة الشفرات البرمجية وتحليل البيانات والتكامل مع الانظمة الداخلية للشركات، مما يعزز كفاءة فرق التطوير.

وفي اطار تلبية متطلبات الجهات الرسمية، قدمت الشركة نموذج "كلود غوف"، وهو اصدار مخصص للاستخدام الحكومي، ويتميز بالتزامه الصارم بالمعايير التنظيمية ويحتوي على طبقات اضافية من الضبط الامني والرقابي.

  • وعلى مستوى البنية التقنية، طرحت الشركة "بروتوكول سياق النموذج"، وهو معيار مفتوح يهدف الى ربط المساعد الذكي بالادوات الفعلية وقواعد البيانات داخل بيئات العمل.

كما اطلقت مجموعة من الاضافات التي تتيح تخصيص وظائف "كلود" لادوار محددة، مثل المبيعات والتحليل القانوني ومعالجة البيانات والبحث المؤسسي.

  • اما في مجال الامن السيبراني، فقد طورت الشركة نموذج "ميثوس"، وهو نظام يتمتع بقدرات متقدمة في اكتشاف الثغرات الامنية داخل انظمة التشغيل.

ونظرا لحساسية هذه القدرات، امتنعت انثروبيك عن اتاحتها بشكل عام، واطلقتها بدلا من ذلك ضمن مشروع "غلاس سوينغ" الذي يركز على تقييم وتامين البرمجيات الحيوية بالتعاون مع شركات تقنية كبرى مثل غوغل ومايكروسوفت وامازون، بالاضافة الى مؤسسات مالية وحكومية.

  • وفي المجال التعليمي، دخلت الشركة في شراكة مع منظمة "كود باث" بهدف دمج ادواتها ضمن المناهج الجامعية وتوفير تدريب عملي للطلاب، ولا سيما من الفئات ذات الدخل المحدود، على تطوير البرمجيات واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في بيئات واقعية.

خلافها مع البيت الابيض

ظهر الخلاف بين شركة انثروبيك ووزارة الحرب الامريكية بسبب التباين الجوهري بين مقاربة الشركة القائمة على "سلامة الذكاء الاصطناعي" وبين التوجهات العسكرية التي تسعى الى توظيف هذه التقنيات ضمن الاستخدامات الحربية والامنية.

وبدات الازمة مع توقيع عقد اولي عام 2025 بين انثروبيك ووزارة الحرب بلغت قيمته نحو 200 مليون دولار، وكان الهدف من ذلك هو دمج تقنيات الشركة في انظمة سرية، الا ان المفاوضات اللاحقة كشفت عن فجوة عميقة، حيث وضعت الشركة ما وصفته بـ "الخطوط الحمراء"، ورفضت منح البنتاغون حق الاستخدام العسكري غير المقيد لنموذجها كلود.

وتركز هذا الرفض بشكل خاص على حظر استخدام تقنياتها في تطوير "اسلحة فتاكة ذاتية التشغيل بالكامل دون اشراف بشري"، بالاضافة الى رفض توظيفها في المراقبة الجماعية للمواطنين داخل الولايات المتحدة.

وتصاعد التوتر في فبراير/شباط 2026، حين قرر الرئيس الامريكي دونالد ترمب، بالتعاون مع وزير الحرب بيت هيغسيث انهاء العقود المبرمة مع الشركة وقطع العلاقات معها، كما اصدر تعليماته للحكومة الامريكية "بالتوقف فورا" عن استخدام تقنية انثروبيك.

كما وجهت الادارة الامريكية الوكالات الحكومية الى التوقف الفوري عن استخدام تقنيات "انثروبيك"، في خطوة رافقها هجوم سياسي علني على الشركة وقيادتها.

ولم يقتصر التصعيد على انهاء التعاقدات، بل امتد الى ادراج انثروبيك على "القائمة السوداء" وتصنيفها رسميا باعتبارها "خطرا على سلاسل التوريد" يهدد الامن القومي، وهي خطوة غير معتادة عادة ما تستخدم بحق شركات اجنبية، مثل الشركة الصينية هواوي.

وردت الشركة على هذه الاجراءات عبر مسار قانوني، حيث رفعت في مارس/اذار 2026 دعاوى قضائية امام محكمة فدرالية في سان فرانسيسكو ضد ادارة ترمب ووزارة الحرب، واعتبرت ان قرار ادراجها في القائمة السوداء يمثل اجراء انتقاميا غير قانوني على خلفية خلاف سياسي وتقني، كما ينتهك التعديل الاول من الدستور الامريكي المرتبط بحرية التعبير.

ورغم هذا التصعيد المتبادل، شهدت الازمة لاحقا ما يمكن وصفه بـ "انفراجة تكتيكية" مدفوعة بتطورات تقنية لافتة، فقد اطلقت الشركة نموذجا جديدا يحمل اسم "ميثوس" اظهر قدرات متقدمة في اكتشاف الثغرات السيبرانية تفوق الاداء البشري، واثار ذلك مخاوف داخل الادارة الامريكية بشان المخاطر المحتملة على البنية التحتية والقطاع المالي.

وفي هذا السياق، استضاف البيت الابيض في ابريل/نيسان 2026 الرئيس التنفيذي للشركة داريو امودي، في اجتماع وصف بانه "مثمر وبناء"، جرى فيه بحث فرص التعاون في مجال الامن السيبراني والتعامل مع التحديات المتسارعة التي يفرضها تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي.

من جهة اخرى، اثار نموذج ميثوس المتطور قلقا واسعا في الاوساط المالية، فقد حذر جيمي ديمون الرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورجان شيس" من امكانية توظيف هذه القدرات في تنفيذ هجمات سيبرانية معقدة تستهدف البنية التحتية المصرفية العالمية.

ودفعت هذه المخاوف الجهات التنظيمية الامريكية، بما في ذلك وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي، الى عقد اجتماعات طارئة لتقييم المخاطر المحتملة.

وفي ضوء ذلك، اتخذت انثروبيك قرارا بتقييد الوصول الى النموذج وحجبه عن الاستخدام العام، مع اتاحه بشكل محدود ضمن اطار مشروع امني مغلق يعرف باسم "غلاس سوينغ"، وبالتعاون مع حكومات وشركات تكنولوجيا كبرى.

وعلى خلفية رفضها اتاحة نموذج "ميثوس"، تعرضت انثروبيك لانتقادات من مكتب الذكاء الاصطناعي الاوروبي التابع للاتحاد الاوروبي، فقد اعتبر ان هذا الرفض يقوض قدرة المكتب على اداء دوره الرقابي في الحد من مخاطر الامن السيبراني.

في المقابل، اثار منح الشركة حق الوصول الى جهات اخرى، مثل "معهد سلامة الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة" اضافة الى الحكومة الامريكية، انتقادات تتعلق بازدواجية المعايير في التعامل مع الشركاء الدوليين.