ايران ما بعد الحرب: مخاوف من قمع متزايد وضغوط اقتصادية

ايران ما بعد الحرب: مخاوف من قمع متزايد وضغوط اقتصادية

يسعى الايرانيون الى استئناف مظاهر الحياة الطبيعية بعد اسابيع من القصف الاميركي والاسرائيلي وحملة قمع ضد المتظاهرين خلفت قتلى في كانون الثاني الماضي، لكن القلق لا يزال يخيم على مستقبلهم بسبب الاثار السلبية للغارات الجوية وانقطاع الانترنت.

ورغم الخلافات المستمرة بين ايران والولايات المتحدة حول تمديد وقف اطلاق النار والاتفاق على انهاء الصراع، فقد فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية ابوابها، وفي ايام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بالعائلات والشبان الذين يمارسون الرياضة، بينما يتجمع اخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

واضافت وكالة رويترز انه خلف هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الايراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، كما يشعرون بالغضب ازاء الغارات الجوية المدمرة، ويبدو ان الصعوبات التي فجرت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في كانون الثاني ستزداد تفاقما.

وبينت ان المحادثات التي جرت في اسلام اباد هذا الشهر، وهي اول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وايران منذ سنوات، انتهت دون التوصل الى اتفاق، ومع اقتراب موعد انتهاء وقف اطلاق النار الهش الحالي يوم الاربعاء، قال الرئيس الاميركي دونالد ترمب اليوم الاحد ان مبعوثيه سيتوجهون الى باكستان وانهم مستعدون لاجراء مزيد من المحادثات.

مخاوف من ضغوط مع استمرار النظام

وقالت فريبا (37 عاما)، التي شاركت في مظاهرات كانون الثاني لرويترز عبر الهاتف من ايران، ان الحرب ستنتهي، لكن عندها ستبدا مشاكلنا الحقيقية مع النظام، واضافت انها تخشى جدا من ان يزيد الضغط على الناس العاديين اذا توصل النظام الى اتفاق مع الولايات المتحدة.

واوضحت ان الشعب لم ينس جرائم النظام في كانون الثاني، وان النظام لم ينس ان الناس لا يريدونه، وانه يكبح نفسه الان لانه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية ايضا.

وتشير الاحصاءات الرسمية الى ان القصف اودى بحياة الالاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الاول من الصراع، كما دمر القصف بنى تحتية في انحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو ان النظام الايراني راسخ كما كان في الماضي، بعد ان نجا من القصف المكثف على مدى اسابيع وعرقل امدادات النفط العالمية.

وقال اوميد ميماريان، محلل الشان الايراني لدى مركز الابحاث المستقل دون في الولايات المتحدة، ان الايرانيين ادركوا ان هذه الحرب لن تؤدي الى اسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم اسوا بكثير من الناحية الاقتصادية.

واضاف ان الجيش لن يضع اسلحته، وانه سيبقى، وسيكون الوضع دمويا ومكلفا من دون اي امل في مستقبل افضل.

وفي شمال طهران، اجرت رويترز الاسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان ايرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم، وتعمل وسائل الاعلام الاجنبية في ايران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والارشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، ان الامور يمكن ان تكون اسوا بالنسبة للايرانيين، بالنظر الى تاثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

واضافت انها لا تريد ان تقول ان الوضع طبيعي، لكن كايرانية عاصرت كل هذا، فانه ليس سيئا للغاية، وانه يمكن التعايش معه.

لكن لم يكن لدى الايرانيين الذين تواصلت معهم رويترز عبر الهاتف هذا الراي، اذ ابدوا قلقا اكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفا من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاما)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها او مكان اقامتها، ان الناس يستمتعون بوقف اطلاق النار في الوقت الحالي، لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ وماذا يفترض بنا ان نفعل مع نظام اصبح اكثر قوة؟

خيارات قليلة

واكدت رويترز ان الالاف قتلوا عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت اسابيع في كانون الثاني، وقال حينها ترمب انه سياتي لمساعدة الايرانيين.

واوضحت ان بعثة ايران الدائمة لدى الامم المتحدة في جنيف لم ترد بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة، وكانت قد القت سابقا باللوم في اعمال العنف التي وقعت في كانون الثاني على ارهابيين مسلحين مرتبطين باسرائيل والولايات المتحدة.

وبينت ان ترمب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو قالا في بداية الحرب انهما يريدان الاطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان ان الغضب من القمع جعل كثيرا من الايرانيين ياملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب الى الحرب ضد بلادهم.

واضاف انه يعتقد انه اصبح اكثر وضوحا لكثير من الايرانيين ان هذه الحرب ليست مصممة، او لا تهدف، الى مساعدة الشعب الايراني.

واشارت رويترز الى ان مهتاب ولا النساء الاخريات الجالسات في مقهى شمال طهران لم يكن يرتدين الحجاب الالزامي المفروض منذ عقود في ايران، وصارت قواعد الزي العامة اكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المراة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنيا تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الايراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام انه اصبح واضحا في كانون الثاني ان السلطات لن تتراجع بسهولة مجددا، وانها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

واكد رسام ان الحرب جعلت الايرانيين اكثر انقساما من ذي قبل، وانه مع خيارات قليلة، فان هذه لحظة حاسمة للايرانيين لانهم في النهاية، وخاصة الايرانيين داخل البلاد، يدركون انهم بحاجة الى العيش معا، وانه لا يوجد مكان يذهبون اليه.

نار تحت الرماد

واضافت رويترز ان كثيرين يخشون من تفاقم القمع الان، وقال ارجانج، وهو اب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاما، لرويترز عبر الهاتف من شمال طهران، انه في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحا ما اذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل الى اتفاق مع الولايات المتحدة، وانه سيزداد الضغط 100 في المائة، لانه بمجرد التوصل الى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه.

واوضحت رويترز ان الاحتجاجات بداية العام لم تحدث اي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات الى فرض قيود صارمة على استخدام الانترنت، وهو ما اثر كثيرا على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة الى المعلومات اثناء الحرب.

وقالت فائزة (47 عاما)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع اصدقائها في حديقة شمال طهران، ان حتى اصغر الامور، مثل التواصل مع افراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة.

وقال ميماريان ان الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وان الناس اصبحوا اقل خوفا حيال اتهامهم بالخيانة، واضاف ان هناك الكثير من النار تحت الرماد.