تتصاعد حدة التوتر بين واشنطن وطهران، ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان الطرفان سيعودان إلى طاولة المفاوضات، بل ما هي طبيعة هذه المفاوضات في ظل الحصار البحري والتهديدات العسكرية المتبادلة؟
فقد كشف إعلان الرئيس الاميركي دونالد ترمب عن بدء حصار يستهدف حركة السفن المتجهة إلى الموانئ الايرانية، بالتزامن مع الحديث عن جولة محادثات محتملة قريبا، عن مسار مزدوج تتبعه الادارة الاميركية، وهو إبقاء باب التفاوض مفتوحا مع زيادة الضغط على ايران.
واضاف ان هذا النهج لا يضمن تحقيق انفراجة سريعة، بل ينقل الصراع إلى ساحة جديدة، وهي اختبار القدرة على التحمل السياسي والاقتصادي لدى الطرفين.
وبين ان تفاصيل العرض الاميركي الاخير والرد الايراني عليه تشير الى وجود فجوة عميقة في الخلافات، على الرغم من أن اللغة العلنية تبدو أقل حدة مما كانت عليه في السابق.
تفاوض دون اختراق
واوضح ان المؤشرات الحالية تدعم فرضية امكانية عقد جولة ثانية من المفاوضات، لكنها لا تؤكد قرب التوصل الى اتفاق، فقد اشارت وكالتا رويترز واسوشييتد برس الى اتصالات جارية لترتيب جولة جديدة بعد محادثات اسلام اباد، فيما قال جي دي فانس ان واشنطن حققت تقدما كبيرا، لكن الكرة الان في ملعب طهران.
واكد ان جوهر الخلاف لم يتغير، فالولايات المتحدة تطالب بتعليق النشاط النووي الايراني لمدة 20 عاما، بينما تتمسك ايران بعرض اقل بكثير يتراوح بين خمس سنوات واقل من عشر، مع رفض اخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من البلاد.
واضاف ان هذا الخلاف ليس تقنيا فحسب، بل هو سياسي وسيادي، فواشنطن تسعى الى صيغة تمنع تكرار ازمة طالما انتقدها ترمب في اتفاق 2015، بينما تحاول طهران تجنب اي تنازل يبدو استسلاما لشروط الحرب.
لهذا، يبدو الحديث عن صفقة قريبة مبالغا فيه، وما يجري هو تفاوض تحت الاكراه، وليس تفاوضا ناضجا يؤدي الى تسوية كاملة، ويكفي قراءة التسريبات عن الملفات الاخرى، من اعادة فتح مضيق هرمز الى مصير اليورانيوم المخصب والدعم الايراني للفصائل الاقليمية، لفهم ان الملف النووي ليس سوى العقدة المركزية داخل حزمة واسعة من الشروط المتشابكة، وقد تكون المحادثات المقبلة استمرارا لشراء الوقت اكثر من كونها جسرا سريعا الى اتفاق نهائي، خصوصا ان كل طرف يعتقد ان بإمكانه تحسين شروطه قبل التوقيع.
الحصار اداة تفاوض
واشار الى ان ترمب يتصرف على اساس ان الحصار البحري يمكن ان يحقق ما لم تحققه الضربات وحدها، وهو خنق شريان الايرادات النفطية واظهار ان كلفة التعنت الايراني لن تقتصر على الخسائر العسكرية، بل ستصل الى قلب الاقتصاد والدولة.
وقد ربط البيت الابيض صراحة بين فاعلية الحصار وزيادة يأس الايرانيين من اجل ابرام اتفاق، بينما هدد ترمب بتدمير اي زوارق ايرانية سريعة تقترب من خط الحصار.
لكن هذا التصعيد يكشف في الوقت نفسه عن ان واشنطن لا تزال غير واثقة من ان ايران ستستجيب سريعا للضغط، ولذلك تحاول رفع منسوب الردع الميداني مع ابقاء قناة التفاوض مفتوحة.
وفي حديث خاص لـ«الشرق الاوسط»، قال فرزين نديمي، كبير الباحثين في الشأن الايراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى، ان مشاركة الايرانيين والاميركيين في جولة اخرى مرجحة، لكن بلوغ اتفاق لا يبدو مرجحا جدا الان، مضيفا انه يرى عملية لوجيستية عسكرية اميركية غير مسبوقة لنقل مزيد من الاصول العسكرية الى الشرق الاوسط، قد تشمل مكونا بريا في حال استئناف العمليات ضد النظام الايراني.
واكد ان اهمية هذا التقدير لا تكمن فقط في تشاؤمه التفاوضي، بل في انه يربط بين استمرار الدبلوماسية وتراكم الاستعدادات العسكرية، اي ان التفاوض هنا ليس بديلا عن القوة، بل غطاء لامكان العودة اليها على نحو اوسع.
وشدد على ان هذا هو جوهر المعادلة الحالية، فالحصار ليس نهاية الحرب، بل طريقة لتغيير شكلها، فبدلا من القصف اليومي المكثف، تنتقل المواجهة الى حرب خنق اقتصادي واختبار ارادة، مع بقاء احتمال الانزلاق مجددا الى القتال المباشر قائما في اي لحظة.
النفط مقابل السياسة
وبين ان المسار الحالي يقوم على رهانين متقابلين، فواشنطن تراهن على ان خنق النفط الايراني سيرغم طهران على التراجع، اما ايران فتراهن على ان ترمب نفسه لن يتحمل الكلفة السياسية المترتبة على اطالة هذا المسار، فكلما طال امد الحصار، زاد خطر ارتفاع اسعار النفط والطاقة، وتضخم الاثر على الاسواق والمستهلك الاميركي، خصوصا مع حساسية هذا الملف في الداخل الاميركي، لذلك، لا تنظر طهران الى المواجهة الحالية فقط بوصفها اختبارا عسكريا او دبلوماسيا، بل ايضا بوصفها اختبارا لقدرة الرئيس الاميركي على تحمل الالم الاقتصادي والسياسي.
وهذا بالضبط ما يشرحه اليكس فاتنكا، الباحث في معهد الشرق الاوسط، في حديثه لـ«الشرق الاوسط»، فهو يرى ان الحصار من غير المرجح ان ينتج اختراقا سريعا، لكنه سيبقي الدبلوماسية حية تحت ضغط اكبر، فإيران، بحسب تقديره، لا تبتعد عن المحادثات، وتوجد اشارات الى استمرار الانخراط غير المباشر وربما جولات جديدة قريبا، لكنها في الوقت نفسه غير مستعدة للتنازل في القضايا الجوهرية، وهي التخصيب وتخفيف العقوبات والضمانات.
لذلك، فان الحصار، في رأيه، لا يحل النزاع بل يقسيه، وينقل الصراع الى اختبار للتحمل الاقتصادي والسياسي، فواشنطن تراهن على الضغط على النفط الايراني، بينما تراهن طهران على قدرتها على رفع الكلفة على الولايات المتحدة، عبر اسواق الطاقة واوراقها الاقليمية، بسرعة اكبر مما يستطيع البيت الابيض تحمله سياسيا، والنتيجة، بحسب فاتنكا، ليست صفقة قريبة، بل مساومة طويلة وهشة تتقدم فيها الدبلوماسية والتصعيد معا.
اخطار المسار الحالي
وحذر نديمي، في حديثه لـ«الشرق الاوسط»، من مجموعة اخطار واضحة، وهي استمرار المستنقع في مضيق هرمز والخليج، واحتمال استئناف القتال على بعض الجبهات او جميعها، ثم العودة الى الحرب مع استهداف اكثر حزما للبنية التحتية الاقتصادية في المنطقة، فضلا عن خطر تمدد الازمة الى باب المندب، سواء عبر الالغام او ادوات غير مباشرة لا تستلزم تورطا معلنا.
واضاف ان هذه القراءة تعني ان فشل التفاوض في ظل الحصار لن يعيد الوضع فقط الى ما كان عليه قبل المحادثات، بل قد يفتح مرحلة اكثر خطورة على الممرات المائية واسواق الطاقة والاستقرار الاقليمي.
كما ان خطر سوء الحساب يبقى مرتفعا للغاية، فالمفاوضات قد تستمر شكليا، فيما التوتر العسكري يتصاعد ميدانيا، وهو ما يجعل اي حادث بحري او اي اعتراض لسفينة او اي محاولة ايرانية لاختبار حدود الحصار شرارة محتملة لتوسيع المواجهة، واضافة الى ذلك، فان بقاء الملفات الاخرى معلقة، من حرية الملاحة الى مخزون اليورانيوم والعقوبات والدعم الاقليمي للفصائل المسلحة، يعني ان اي تقدم جزئي سيبقى هشا وقابلا للانهيار السريع.
وفي المحصلة، يبدو الارجح ان ايران ستعود الى طاولة التفاوض، لكن ليس لان الحصار حسم امرها، بل لانها تريد تجنب الاسوأ وكسب الوقت ومحاولة ادارة التصعيد بشروط اقل كلفة، وفي المقابل، يبدو الارجح ايضا ان ترمب لن يحصل سريعا على الصفقة الكاملة التي يريدها، وما نحن امامه اذن ليس اختراقا حاسما، بل مرحلة جديدة من عض الاصابع، فواشنطن تضغط على شريان النفط، وطهران تضغط على اعصاب السياسة والاسواق، وبينهما تبقى الدبلوماسية ممكنة، لكنها شديدة الهشاشة، تسير هذه المرة فوق مياه مضيق هرمز الملتهبة لا فوق ارض تفاهم صلبة.
-
-
-
-
وصول قافلة مساعدات سعودية جديدة الى قطاع غزة2026-04-14 -
