وقف الحرب على إيران .. ارتياح الأسواق وتداعياته على الاقتصاد العالمي

وقف الحرب على إيران .. ارتياح الأسواق وتداعياته على الاقتصاد العالمي

لم يكن الإعلان عن وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وما تلاه من تهدئة إقليمية، مجرد حدث سياسي عابر، بل شكّل صدمة إيجابية سريعة للأسواق العالمية بعد فترة من الاضطراب الحاد في الطاقة والتجارة. ومع ذلك، فإن هذه الانفراجة تبدو أقرب إلى ارتياح مؤقت من أن تكون بداية انتعاش اقتصادي مستدام، إذ لا تعكس بالضرورة تحسنًا طويل الأمد بقدر ما تعيد تسعير المخاطر في المدى القصير.

على أرض الواقع، انعكس هذا التحول مباشرة في مؤشرات السوق خلال اليوم الأول للتهدئة، في تكرار نمط مألوف عند انحسار المخاطر الجيوسياسية. ففي قطاع الطاقة، هبط خام برنت بنحو 13–15%، متراجعًا من مستويات تجاوزت 100 دولار إلى ما دون 90 دولارًا للبرميل، في تعبير صريح عن تراجع علاوة الخوف أكثر من أي تحسن حقيقي في أساسيات العرض. أما الغاز الطبيعي، فقد بدأ بالتراجع بوتيرة أبطأ، حيث انخفضت أسعاره في الأسواق الفورية بنسبة محدودة نظرًا لتعقيد سلاسل التوريد وطبيعة عقوده طويلة الأجل.

في أسواق الأسهم، شهدت موجة صعود مدفوعة بزوال القلق الجيوسياسي، إذ ارتفع مؤشر S&P 500 بنحو 1.5% في جلسة واحدة، وسجلت المؤشرات الأوروبية مكاسب أكبر، مع صعود ملحوظ في أسهم شركات الطيران والنقل، التي استفادت من توقعات انخفاض تكاليف الوقود والتأمين، ما يعكس حساسية هذه القطاعات لأي تغير في كلفة المخاطر بعيدًا عن كلفة التشغيل الفعلية.

أما أسواق السندات، فقد انخفضت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بنحو 15–20 نقطة أساس خلال أيام، في ظل تراجع توقعات التضخم وعودة التوازن إلى تسعير المخاطر في قرارات المستثمرين.

وعلى صعيد عناصر الاقتصاد الحقيقي، بدأت كلف النقل والتأمين بالتراجع تدريجيًا، حيث انخفضت أقساط التأمين على الشحن عبر الممرات الحساسة، وتراجعت تكاليف الشحن البحري، وإن بقيت أعلى من مستوياتها الطبيعية، بما يشير إلى أن الأسواق بدأت تنتعش أسرع من عودة سلاسل الإمداد إلى طبيعتها.

ضمن هذا المشهد، يتضح أن وقف إطلاق النار أطلق سلسلة من التفاعلات السريعة: انخفاض في أسعار الطاقة، تحسن في أسواق الأسهم، تراجع في عوائد السندات، وانخفاض نسبي في كلف النقل والتأمين. غير أن هذه التفاعلات، في جوهرها، تعكس انتعاشًا نفسيًا مؤقتًا للأسواق أكثر من كونها تحولًا في الأسس الاقتصادية.

وعليه، فإن ما نشهده ليس نهاية الأزمة، بل انتقالًا بها من مرحلة الصدمة الحادة إلى حالة من القلق منخفض الحدة، مع وجود انتعاش قصير الأجل في الأسواق. فالأسواق خرجت من دائرة الذعر، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى انتعاش مستدام، ليبقى الدرس الأبرز أن أمن الطاقة يظل حجر الزاوية في الاستقرار الاقتصادي العالمي، وأن أي تهديد لممراته الحيوية كفيل بإعادة تشكيل توازنات النظام الاقتصادي العالمي بأكمله.