المضائق.. بين الطموح الأميركي والأطماع الصهيونية

المضائق.. بين الطموح الأميركي والأطماع الصهيونية
في خضم الحرب الأميركية الصهيونية على إيران، تتكشف ملامح صراع أعمق يتجاوز ساحات المعارك المباشرة، ليتمحور حول السيطرة على طرق الطاقة والممرات الاستراتيجية، فالمضائق البحرية وعلى رأسها مضيق هرمز لم تعد مجرد ممرات طبيعية، بل تحولت إلى أوراق ضغط سياسية واقتصادية، تسعى واشنطن وتل أبيب إلى توظيفها لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم مصالحهما.

طموحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السيطرة على المضيق ليست مجرد نزعة عسكرية، بل تعكس إدراكاً بأن التحكم في "هرمز" يعني التحكم في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، فالمضيق الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، يمثل نقطة ارتكاز لأي مشروع لإعادة هندسة المنطقة، ومن هنا، يصبح السعي الأميركي إلى فرض الهيمنة على هذا الممر جزءاً من مشروع أوسع لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية.

في المقابل، تتجلى أطماع رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتن ياهو في تغيير شكل الشرق الأوسط وفرض السيطرة الاقتصادية عليه عبر مشاريع الطاقة البديلة، مثل خط إيلات–عسقلان، الذي يُطرح كبديل محتمل لنقل النفط من الخليج إلى المتوسط بعيدا عن "هرمز"، لكن وبحسب اعلانات صهيونية فإن هناك قلقاً من أن مصر وتركيا تتحركان بخطوات أسرع وأكثر واقعية، عبر تطوير موانئ الغاز المسال في مصر، وخطوط النفط والغاز العابرة لتركيا، إضافة إلى مشاريع جديدة في سوريا والعراق، وهذه التحركات بالطبع تهدد بتقليص الدور الإسرائيلي وتحويله إلى لاعب ثانوي في معادلة الطاقة.

المشروع العربي إن صح التعبير لإعادة تفعيل خط النفط من قيصومة السعودية إلى بانياس أو اللاذقية، بطاقة قد تصل إلى أربعة ملايين برميل يومياً، يمثل خطوة استراتيجية لتقليل الاعتماد على "هرمز"، وإذا ما أضيفت إليه مشاريع الغاز القطري عبر سوريا إلى تركيا، وخطوط النفط العراقية الجديدة، فإن المنطقة ستملك شبكة بدائل برية–متوسطية قادرة على إنقاذ الخليج والعراق من مأزق الحرب، وتعزيز أمن الطاقة العالمي، هذه البدائل لا تعني فقط حماية الإمدادات، بل أيضاً كسر الاحتكار الأميركي–الصهيوني، وإعادة التوازن لصالح الدول العربية والإقليمية.

إن جوهر الصراع اليوم ليس فقط بين واشنطن وتل ابيب من جانب، وطهران من الجانب الاخر، بل بين مشروع أميركي–صهيوني يسعى لفرض "شرق أوسط جديد" قائم على التحكم الاقتصادي ومن ضمنها التحكم بالممرات، وبين مشروع إقليمي بديل يطمح إلى استقلال القرار العربي عبر تنويع طرق الطاقة، ونجاح مصر وتركيا وسوريا والعراق في بناء هذه البدائل سيعني إعادة رسم خريطة الطاقة بما يخدم مصالح شعوبها.

المضائق ليست مجرد جغرافيا، بل هي مفاتيح السياسة والاقتصاد في القرن الحادي والعشرين، وبين طموحات ترامب وأطماع نتنياهو، يقف الشرق الأوسط أمام مفترق طرق... إما أن يُعاد تشكيله وفق مصالح خارجية، أو أن ينجح في بناء بدائل استراتيجية تعزز استقلاله وتمنحه القدرة على صياغة مستقبله، إن خطوط النفط والغاز الجديدة ليست مجرد مشاريع هندسية، بل هي إعلان عن معركة السيادة القادمة، حيث الطاقة هي السلاح، والمضائق هي الميدان.