مساع مصرية تركية باكستانية لوقف التصعيد الإيراني وسط تحديات

مساع مصرية تركية باكستانية لوقف التصعيد الإيراني وسط تحديات

تجاوز الصراع الإيراني شهره الثاني وسط جهود دبلوماسية مكثفة تقودها مصر وتركيا وباكستان بهدف احتواء التصعيد المتزايد، وذلك على الرغم من التهديدات المتبادلة بين أميركا وإسرائيل وإيران، وتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول استمرار المفاوضات، التي ترفضها طهران.

ويرى محللون ومراقبون للشأن الإيراني أن هذا التحرك الدبلوماسي يحمل أملا حذرا، مؤكدين أن فرص نجاحه قد تكون محدودة، إلا أنها ليست مستحيلة، مشيرين إلى أن الدول الثلاث تمتلك القدرة على التأثير على أطراف النزاع رغم التحديات القائمة.

اتصالات مكثفة بين الوسطاء

وجرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الأميركي ماركو روبيو، حيث تناولا المستجدات الإقليمية في ظل التصعيد العسكري الراهن.

وأعرب الوزير الأميركي عن تقدير الإدارة الأميركية للدور الذي تقوم به مصر في الوساطة وخفض التصعيد في المنطقة، وذلك وفقا لبيان صادر عن الخارجية المصرية.

وأشار عبد العاطي إلى الجهود التي تبذلها مصر وتركيا وباكستان لتحقيق التهدئة ودفع الأطراف المعنية نحو خفض التصعيد وإنهاء الصراع.

وسبق ذلك اتصالان هاتفيان بين عبد العاطي ووزيري خارجية باكستان محمد إسحاق دار وتركيا هاكان فيدان، لبحث الجهود والاتصالات المكثفة التي تقوم بها الدول الثلاث بهدف بدء مسار تفاوضي مباشر بين الولايات المتحدة وإيران، وتعزيز خيار الدبلوماسية والحوار بدلا من التصعيد العسكري، وذلك حسب بيان للخارجية المصرية.

وشدد عبد العاطي على ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء الموقف، معربا عن أمله في أن تسفر الجهود المصرية التركية الباكستانية المشتركة إلى خفض التصعيد وبدء مسار متدرج للتهدئة يؤدي إلى إنهاء الصراع.

تفاؤل حذر إزاء الوساطة

ويرى السفير محمد العرابي، رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية ووزير الخارجية الأسبق، أنه على الرغم من الوساطة الجارية والرغبة في وقف إطلاق النار السريع، يجب تبني حالة من التفاؤل الحذر.

وأوضح العرابي أن عملية التفاوض قد تكون مجرد تكتيك متبادل بين الطرفين، حيث تسعى إيران من خلالها إلى كسب الوقت وتحقيق التهدئة، بينما تحاول الولايات المتحدة تصوير نفسها في موقع المنتصر.

ويرى الدكتور محمد محسن أبو النور، رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية والخبير في الشؤون الإيرانية، أن الدول الثلاث تمتلك مزايا نسبية تؤهلها لهذا الدور، فمصر تحتفظ بعلاقات متوازنة مع واشنطن وعلاقات غير تصادمية مع طهران، وتركيا تمتلك خبرة تفاوضية طويلة وتوازنا دقيقا بين عضويتها في الناتو وعلاقاتها الإقليمية، بينما تتمتع باكستان بصلات أمنية وتاريخية مع الطرفين.

وبين أن ترحيب ماركو روبيو بهذه الجهود يعكس إدراكا داخل بعض الدوائر الأميركية بأن خيار الضغط الأقصى قد وصل إلى حدوده، وأن استمرار المواجهة المفتوحة قد يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه، لافتا إلى أن هذا الترحيب يمنح الوساطة غطاء سياسيا مهما ويشير إلى أن واشنطن ربما تكون مستعدة لاختبار قنوات غير تقليدية لنقل الرسائل واستكشاف نقاط التلاقي.

سجالات متبادلة وتهديدات مستمرة

وتأتي تحركات الوساطة الثلاثية في ظل تبادل للرسائل بين طهران وواشنطن بشأن المفاوضات والتهديدات باستمرار الصراع.

وقال الرئيس الأميركي إنه لا يهتم بالتوصل إلى اتفاق إذا لم تكن الشروط مناسبة، مضيفا أن لديهم أهدافا أخرى يريدون تحقيقها قبل المغادرة.

وفي المقابل، صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن بلاده لا تنوي التفاوض، مؤكدا أن سياسة طهران هي الاستمرار في المقاومة، ومشيرا إلى أن الرسائل قد تنقل أحيانا، ولكن لا يمكن اعتبار ذلك حوارا أو مفاوضات.

وليس التحدي الوحيد هو أن الفجوة بين الموقفين الإيراني والأميركي لا تزال بعيدة، ولكن أيضا في موقف إسرائيل التي لا تنظر إلى موضوع الاتفاق بإيجابية، وهي مستعدة لإفشاله عبر استمرار هجماتها على أهداف إيرانية، بحسب العرابي.

وأوضح العرابي أنه لا يوجد صوت واحد موحد في إيران يعبر عن الموقف الرسمي، بينما يتخذ الرئيس الأميركي قرارا منفردا بتمديد الفترات الزمنية لوقف الضربات، في حين يتبنى نتنياهو أسلوبا مغايرا بالإصرار على استمرارها.

ويعتقد أبو النور أن طهران تنظر إلى هذه الوساطات من زاوية كسر العزلة وتخفيف الضغوط دون تقديم تنازلات جوهرية، وهو ما يجعل نجاح الوساطة مرهونا بقدرتها على خلق حوافز متبادلة وليس مجرد إدارة الأزمة إعلاميا.

لكنه أشار أيضا إلى أن هذه الوساطة تواجه تهديدات بنيوية، منها تعارض الأهداف الاستراتيجية بين واشنطن وطهران، فالأولى تسعى إلى تقييد النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني، بينما ترى الثانية أن هذه الملفات تمثل أدوات قوة سيادية لا يمكن التفاوض عليها بسهولة، إضافة إلى تعدد ساحات الاشتباك غير المباشر، وهو ما يجعل أي تصعيد ميداني قادرا على إفشال المسار الدبلوماسي.

ويخلص أبو النور إلى أن فرص نجاح المفاوضات تظل محدودة ولكنها ليست مستحيلة، موضحا أن نجاح الوساطة لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق شامل، بل قد يتمثل في تحقيق اختراقات جزئية مثل خفض التصعيد أو فتح قنوات اتصال مباشرة.