الحرب تهدد مستقبل جوالك: أزمة في صناعة الشرائح والذكاء الاصطناعي

الحرب تهدد مستقبل جوالك: أزمة في صناعة الشرائح والذكاء الاصطناعي

تلقي الحرب الجارية بظلالها على قطاعات متعددة حول العالم، أبرزها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، اللذان حققا نمواً هائلاً في السنوات الأخيرة.

ولا يقتصر التأثير على تحويل الاستثمارات بعيداً عن هذه المجالات، بل يمتد ليشمل سلاسل الإمداد الحيوية لإنتاج مكونات الذكاء الاصطناعي والأجهزة التكنولوجية، وعلى رأسها الجوالات.

ويأتي هذا في وقت يشهد فيه العالم أزمة في إنتاج الذواكر العشوائية، مما ينذر بارتفاع أسعار الجوالات والعديد من المنتجات التقنية الأخرى، مثل منصات الألعاب والحواسيب.

وتمثل أزمة الذواكر، بالتزامن مع تداعيات الحرب، تهديداً أكبر لقطاع التكنولوجيا مقارنة بأزمة كوفيد-19 في عام 2020، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار المكونات التقنية. ولكن ما السبب وراء ذلك؟

اثر مباشر على صناعة الشرائح

تؤثر الحرب بشكل مباشر على صناعة الشرائح في كبرى الشركات المتمركزة في شرق آسيا، سواء كانت معامل "تي إس إم سي" المسؤولة عن إنتاج 72% من الشرائح الذكية عالمياً، أو شركات صناعة الذواكر العشوائية مثل "سامسونغ" و"إس كيه هاينكس" اللتين تنتجان معاً 80% من الذواكر العشوائية.

ويمتد هذا التأثير ليشمل مستويات مختلفة، مما يجعل معالجته تستغرق شهوراً حتى في حال توقف الحرب، فالضرر الذي لحق بسلاسل التوريد قد وقع بالفعل ويحتاج إلى سنوات للتعافي.

وتبدأ دائرة التأثير بنقص شحنات غاز الهيليوم المسال، الذي يعتبر ضرورياً لمعامل صناعة الشرائح، وذلك بعد إعلان شركة قطر للطاقة وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال، ووقف إنتاج بعض الصناعات الكيماوية والبتروكيماوية بسبب قصف استهدف مرافقها التشغيلية.

الهيليوم يستخدم في تبريد شرائح السيليكون بعد حفر الدوائر الإلكترونية عليها (أسوشيتد برس)

وتجدر الإشارة إلى أن قطر مسؤولة عن تزويد العالم بنحو 20% من الغاز الذي يحتاج إليه، مما يعني أن أي خلل في هذا الإنتاج يؤثر بشكل مباشر على سلاسل التوريد.

وبينما يعد نقص إمدادات غاز الهيليوم المسال جزءاً كبيراً من الأزمة الجارية، فإن هناك جانباً آخر يتأثر بنقص إمدادات الغاز الطبيعي المسال، وهو إمداد معامل الشرائح بالطاقة اللازمة لتكمل إنتاجها.

ويشير تقرير مؤسسة "كارنيجي للسلام الدولي" إلى أن النفط والغاز الطبيعي يشكلان أكثر من 56% من مصادر الطاقة في كوريا الجنوبية، حيث توجد مصانع "سامسونغ" و"إس كيه هاينكس"، وبالتالي تتأثر إمدادات المصانع من الطاقة في حال تأثر إمداد الغاز الطبيعي المسال والنفط.

كما تعتمد معامل الشرائح بشكل كبير على الكبريت والبروم، وكلاهما من الموارد التي يتم نقلها بحرياً عبر مضيق هرمز المغلق نتيجة الحرب الجارية.

ومع غياب كل هذه الموارد الضرورية لعمليات تصنيع الشرائح الذكية، فإن الأثر على سلاسل التوريد سيكون مباشراً وسريعاً.

فيم تستخدم هذه المواد؟

يتفاقم حجم الأزمة الجارية في عالم صناعة الشرائح وأشباه الموصلات نظراً لأهمية هذه الموارد في عمليات التصنيع، إذ لا يمكن الاستغناء عنها أو البحث عن حلول بديلة.

ويستخدم غاز الهيليوم في تبريد المعدات المسؤولة عن حفر الدوائر الإلكترونية على الشرائح، وذلك نظراً لخصائصه الفريدة.

وتتطلب عملية حفر الدوائر الإلكترونية على شرائح السيليكون تبريداً مستمراً نتيجة لارتفاع درجات الحرارة، وهنا يلعب الهيليوم دوره المحوري.

كما أن الكبريت والبروم يستخدمان في عملية الحفر ورسم الأنماط على رقائق السيليكون، مما يحولها إلى شرائح قابلة للاستخدام.

وضع حرج لسلاسل التوريد

تزيد الخصائص الفريدة لغاز الهيليوم من صعوبة إنتاجه ونقله لمسافات طويلة، وهي الخصائص ذاتها التي تجعله خياراً مثالياً لعمليات التبريد، ففي حالته الغازية، يستطيع الهيليوم الخروج من أي ثقب بسرعة، مما يتطلب تحويله إلى حالة مسالة مبردة لنقله بسهولة.

نقل الهيليوم في حالته المسالة يحتاج حاويات خاصة (رويترز)

ولكن حتى في تلك الحالة، يظل الهيليوم مسالاً لمدة تصل إلى 48 يوماً، وبعدها يبدأ في العودة إلى حالته الغازية مما يجعله يتسرب من صمامات تخفيف الضغط.

ويؤكد تقرير أن قطر مسؤولة عن تلبية 30% من إجمالي الطلب العالمي على غاز الهيليوم، وبسبب الأحداث الجارية، فإن إصلاح أزمة سلاسل توريد غاز الهيليوم سيستغرق سنوات حتى إن توقفت الحرب.

وبينما توفر مخزونات الطاقة وسلاسل التوريد دعماً مباشراً يتيح للمعامل والشركات الاستمرار في العمل، فإن هذا المخزون لن يدوم لأكثر من 6 أشهر في حالة كوريا الجنوبية و3 أشهر في حال تايوان، وعقب انتهاء تلك الفترة تبدأ تبعات الأزمة في الظهور.

انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي

ورغم المخاطر التي تمثلها أزمة سلاسل التوريد على القطاع التكنولوجي، فإن الأزمة الأكبر تتمثل في انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي وتوقف الاستثمارات فيه.

ويرجع السبب في ذلك إلى نقص الغاز الطبيعي المسؤول عن إمداد مراكز البيانات بالطاقة الكهربائية، مما يتسبب في عزوف المستثمرين والحكومات عن الاستمرار في الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي التي لن تكون قادرة على بناء المزيد من مراكز البيانات نظراً لنقص الشرائح والذواكر أو حتى تشغيل المراكز الموجودة لديها حالياً بسبب أزمة موارد الطاقة.

الحرب قد تؤثر على تقييم شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات (رويترز)

ويؤدي هذا الأمر في النهاية لانخفاض التقييمات التي حازت عليها شركات الذكاء الاصطناعي ما يهدد بانفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي والوصول إلى حالة من الركود العالمي مثلما حدث في عام 2008 مع أزمة "دوت كوم".

كيف يتاثر جوالك المستقبلي؟

في عام 2020 مع وصول أزمة الذواكر والشرائح إلى ذروتها بسبب كوفيد-19، بدأت العديد من الجوالات والأجهزة الذكية التي تعتمد على هذه الشرائح بالاختفاء.

وتسبب هذا الأمر في ارتفاع سعر المنتجات التقنية المتاحة لدى التجار وظهور سوق موازية اقترب فيها سعر أجهزة "بلاي ستيشن 5" من حاجز ألف دولار، رغم كون سعره الرسمي نحو 500 دولار .

ويمكن التنبؤ بعودة هذه الأزمة وتفاقمها نظراً لنقص شرائح الذواكر العشوائية، وقد نرى في المستقبل تأخراً في إطلاق الجوالات الجديدة أو حتى إطلاقها بكميات محدودة والانتظار حتى توافرها مجدداً.