بقلم الدكتور محمد عامر الركيبات
تعيش المنطقة اليوم مرحلة من أكثر مراحلها اضطراباً وتعقيداً، في ظل تصاعد الصراعات الإقليمية وتداخل المصالح الدولية وتعدد بؤر التوتر في محيطنا القريب، وفي مثل هذه اللحظات التاريخية الحساسة، يجد الأردن نفسه مرة أخرى أمام اختبار سياسي وأمني يتطلب أعلى درجات الحكمة والوعي الوطني، سواء على مستوى الدولة أو المجتمع.
لقد أثبتت التجربة الأردنية عبر العقود أن قدرة الدولة على الصمود في بيئة إقليمية مضطربة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة منظومة متكاملة تقوم على مؤسسات راسخة، وقيادة سياسية واعية، ومجتمع يمتلك حساً عالياً بالمسؤولية الوطنية، واليوم، ومع تسارع الأحداث في المنطقة، يتضح أن هذه المعادلة ما تزال الركيزة الأساسية التي يقوم عليها استقرار الأردن وقدرته على التعامل مع مختلف التحديات.
ومن اللافت في هذه المرحلة أن المجتمع الأردني أظهر مستوى متقدماً من التماسك الوطني والالتفاف حول الدولة ومؤسساتها، فالأردنيون يدركون بحكم التجربة أن استقرار وطنهم لم يكن يوماً أمراً مسلّماً به في محيط إقليمي شديد التعقيد، بل هو إنجاز يتطلب الحفاظ عليه بالوعي والوحدة والالتزام بالمصلحة الوطنية العليا.
كما تعززت الثقة بالمؤسسات الوطنية، وعلى رأسها القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية، التي تشكل الدرع الحامي للوطن وصمام الأمان في حماية حدوده وسيادته. وقد أثبتت هذه المؤسسات، على الدوام، قدرتها على التعامل مع مختلف التحديات بكفاءة واقتدار، بما يعزز الشعور بالأمن والاستقرار لدى المواطنين.
ولا يمكن الحديث عن استقرار الأردن وأمنه دون الوقوف بتقدير واعتزاز أمام الدور الكبير الذي تضطلع به القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي – والأجهزة الأمنية، التي تمثل خط الدفاع الأول عن الوطن وسياجه المنيع في مواجهة مختلف التحديات، فقد أثبت نشامى الجيش العربي، إلى جانب فرسان سلاح الجو الملكي الأردني، ورجال الأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها من الأمن العام والمخابرات العامة والدفاع المدني، أنهم عنوان الانضباط والتضحية والاحتراف، وأنهم حاضرون دائماً لحماية حدود الدولة وصون أمن المجتمع، ويواصل سلاح الجو الملكي أداء دور محوري في حماية الأجواء الأردنية ومراقبة الحدود والتعامل مع أي تهديد محتمل، بما يعكس مستوى عالياً من الجاهزية والكفاءة، كما يضطلع الدفاع المدني بدور إنساني ووطني كبير في حماية الأرواح والممتلكات والاستجابة السريعة للحوادث والطوارئ، مما يجسد روح التضحية والخدمة العامة التي تميز مؤسسات الدولة الأردنية.
إن ما يقدمه هؤلاء الرجال من جهود وتضحيات في سبيل أمن الأردن واستقراره يجسد أسمى معاني الواجب الوطني، ويعكس عمق الثقة المتبادلة بين المؤسسة العسكرية والأمنية وبين المجتمع الأردني الذي يرى فيهم مصدر فخر وطمأنينة.
وفي الوقت ذاته، ساهمت التطورات الجارية في رفع مستوى الوعي السياسي لدى قطاعات واسعة من المجتمع، حيث أصبح المواطن أكثر إدراكاً لتعقيدات المشهد الإقليمي وانعكاساته على الأردن. وهذا الوعي المجتمعي يمثل أحد أهم عناصر قوة الدولة، لأنه يعزز مناعة الجبهة الداخلية في مواجهة محاولات التضليل أو بث الانقسام التي غالباً ما ترافق الأزمات.
وعلى المستوى السياسي، يواصل الأردن أداء دوره الإقليمي المتوازن مستنداً إلى نهج دبلوماسي رصين يقوم على الحكمة والاعتدال، وقد برزت في هذا السياق الحنكة السياسية لجلالة الملك عبدالله الثاني، الذي يقود سياسة خارجية تقوم على حماية المصالح الوطنية الأردنية، وفي الوقت ذاته العمل من أجل الاستقرار الإقليمي وتجنب انزلاق المنطقة إلى مزيد من الصراعات.
لقد تمكن الأردن، بفضل هذا النهج المتزن، من الحفاظ على موقعه كدولة محورية تحظى باحترام المجتمع الدولي وثقة شركائه الإقليميين، وهو ما يعكس قدرة القيادة الأردنية على إدارة التوازنات المعقدة في منطقة تتسم بسرعة التحولات وتشابك المصالح.
وفي خضم هذه التحولات، يتجدد النقاش حول مستقبل الأمن القومي العربي وأهمية تعزيز العمل العربي المشترك في مواجهة التحديات المتزايدة، فالأزمات المتلاحقة في المنطقة أثبتت أن استقرار الدول العربية بات مرتبطاً بدرجة كبيرة بقدرتها على التنسيق والتعاون في القضايا الاستراتيجية والأمنية.
غير أن الرسالة الأهم بالنسبة للأردن تبقى دائماً في الحفاظ على قوة الجبهة الداخلية، فالتاريخ الأردني يؤكد أن قوة الدولة لم تكن يوماً في حجم مواردها، بل في تماسك مجتمعها ووعي شعبها وثقته بقيادته ومؤسساته الوطنية.
وفي ظل التوترات المتصاعدة في الإقليم، تصبح الحاجة إلى خطاب وطني مسؤول أكثر إلحاحاً؛ خطاب يعزز الوحدة الوطنية ويضع مصلحة الأردن فوق كل الاعتبارات، لأن استقرار الوطن ليس مجرد خيار سياسي، بل هو مسؤولية جماعية تتطلب وعياً مجتمعياً يرسخ قيم التماسك والتضامن.
لقد مرت المنطقة عبر تاريخها بمحطات صعبة وحروب قاسية، لكنها في كثير من الأحيان كانت لحظات كاشفة أعادت التذكير بقيمة الاستقرار ووحدة الصف، وفي الحالة الأردنية تحديداً، يبقى الرهان دائماً على وعي الأردنيين وقدرتهم على حماية وطنهم والوقوف خلف دولتهم.
فالأردن، كما أثبتت التجارب، دولة تعرف كيف تدير الأزمات بحكمة، وتحافظ على توازنها في محيط مضطرب، مستندة إلى قيادة سياسية حكيمة، ومؤسسات قوية، وشعب يدرك أن الوطن هو القاسم المشترك الذي تتقدم مصلحته على كل ما سواه.
-
الأردن… حين يصبح الهدوء الدبلوماسي قوة تأثير2026-03-14 -
في الحروب..فتّش عن "النفط"!2026-03-14 -
الأكثر جدلاً.. متى تنتهي الحرب؟!2026-03-12 -
-
