تراقب باريس بقلق بالغ التطورات المتسارعة على الجبهة اللبنانية، وما يصاحبها من تصعيد ودمار وخسائر بشرية ونزوح للسكان، ورغم الجهود الدبلوماسية المكثفة التي يبذلها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لم يتم تحقيق تقدم ملموس في وقف التصعيد العسكري بين إسرائيل وحزب الله.
وقد أجرى ماكرون سلسلة اتصالات مع الأطراف المعنية، بدءا من السلطات اللبنانية وإسرائيل والولايات المتحدة، وصولا إلى إيران والعديد من القادة العرب، وذلك في محاولة لمنع انزلاق لبنان نحو الانهيار.
وفي تغريدة نشرها ماكرون على منصة اكس، كشف عن اتصالات جديدة أجراها مع المسؤولين اللبنانيين، مجددا رؤيته لكيفية وضع حد للتصعيد، واكد وجوب بذل كل ما يلزم لمنع لبنان من الانزلاق إلى الفوضى، داعيا حزب الله إلى وقف فوري لما وصفه بالهروب إلى الأمام، كما دعا إسرائيل إلى التخلي عن شن هجوم واسع النطاق ووقف ضرباتها المكثفة، في ظل نزوح مئات الآلاف من الأشخاص جراء القصف.
واضاف ماكرون أن السلطة التنفيذية اللبنانية أبدت استعدادها لإجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، وأنه يجب أن تكون جميع مكونات البلاد ممثلة فيها، وشدد على ضرورة أن تغتنم إسرائيل هذه الفرصة لبدء محادثات والتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإيجاد حل دائم، بما يتيح للسلطات اللبنانية تنفيذ التزاماتها لصالح سيادة لبنان، وعرض ماكرون مساهمة فرنسية لتسهيل المحادثات اللبنانية الإسرائيلية من خلال استضافتها في باريس.
موافقة امريكية على مشاركة فرنسا في المفاوضات
وكشفت مصادر مطلعة ان فرنسا حصلت على موافقة أمريكية لتكون جزءا من المفاوضات المرتقبة في حال حصولها، ما يعكس رغبة من جانبها في حماية لبنان المتمسك بالمشاركة الفرنسية التي طلبها مباشرة من باريس، ووفق باريس، فإنها حصلت على وعد إسرائيلي بالامتناع عن توسيع دائرة المعارك والقيام بهجوم بري، ولكنها بالمقابل لم تحصل بعد على موافقة إسرائيلية على مشاركتها، والانطباع السائد في العاصمة الفرنسية هو أن فرنسا وحدها تبدو مهتمة بالوضع اللبناني، وأنها تسعى لمساعدته عن طريق دبلوماسية التاثير وطرح الحلول.
وبينت المصادر ان باريس لا ترى طريقا لخفض التصعيد إلا من خلال ثلاث خطوات، الأولى تتعلق بحزب الله الذي يتعين عليه القيام بها بداية، وعنوانها التوقف عن مهاجمة إسرائيل بصواريخه ومسيراته، والخطوة الثانية تكمن في أن تقبل إسرائيل إلحاح باريس التي تدعوها للامتناع عن القيام باجتياح أرضي لمناطق في الجنوب اللبناني ووضع حد لعمليات القصف والتدمير التي تقوم بها، اما الخطوة الثالثة فتتمثل في دعوة الحكومة اللبنانية إلى الإقدام وقيام الجيش اللبناني بفرض سيطرته التدريجية على المناطق التي تقع راهنا تحت سيطرة حزب الله، وتعترف باريس بأن عملا كهذا ليس أمرا سهلا، بل إنه يتضمن خطورة معينة، ولكنها تعتبره ضروريا وحيويا من أجل تمكينها من الحصول على ورقة يمكن الضغط بها على إسرائيل التي لا تستجيب حتى اليوم للنداءات الموجهة إليها.
دعم فرنسي للجيش اللبناني
ولاجل تحقيق هذا الغرض، فان باريس تبدو مستعدة لمزيد من دعم الجيش اللبناني من غير انتظار المؤتمر الذي كان مقررا عقده الشهر الماضي، فضلا عن ذلك، تذكر باريس بان قوة اليونيفيل التي تساهم فيها منذ عام 1978 سوف تنسحب من لبنان هذا العام، وبالتالي يتعين على السلطات أن تنظر فيما سيحصل في اليوم التالي، وبنظرها، فان انتشار الجيش التدريجي بدءا من المناطق حيث يسهل انتشاره إلى المناطق الأكثر صعوبة يعد أمرا لا مفر منه ويتعين على السلطات اللبنانية أن تبتدع الحلول.
وحسب باريس، فإن عملية حصر السلاح يجب أن تمر عبر السلطات اللبنانية بدل أن تقوم إسرائيل بذلك، وهي تذكر بأن ملف السلاح مطروح منذ عام 1990، وقد تضمنته كافة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن منذ ذلك التاريخ، ولا تخفي فرنسا خيبتها من تعطيل الآلية الخماسية ميكانيزم وهي تعزو ذلك لانسحاب الضابط الأميركي الذي كان يرأسها، كذلك فإنها ترفض الخوض في الجدل الذي أثير حول قائد الجيش العماد هيكل، لكنها تتفهم صعوبة المواقف والقرارات التي يتعنى عليه اتخاذها.
وتعي باريس أن تحقيق ما تدعو إليه ليس بالأمر السهل، وهي لا تريد باي حال قيام مواجهة عسكرية بين الجيش اللبناني وحزب الله، من شانها أن تفجر الوضع اللبناني، ولكن ثمة ما يمكن القيام به من أجل مساعدة الجيش اللبناني وهو ما تساهم به وتعزيز ذراع الشرعية الضاربة، بحيث يميل ميزان القوى لصالحها، ما سيمكنها من السيطرة التدريجية والمنظمة على الأرض.
وتذكر باريس بانها حصلت على تعهدات من دول عدة بينها السعودية والإمارات وقطر لدعم الجيش اللبناني باسرع وقت، إلا أنها تعي أيضا أنها لا تملك الأوراق الضرورية للتأثير جذريا على مجريات الأمور، وإذا كانت لا تتردد في اعتبار أن إسرائيل تتصرف في لبنان بعيدا عما تنص عليه القوانين الدولية، فإنها ترى بالمقابل أن حزب الله يتصرف كحركة إرهابية وأنه مسؤول عن الحرب الدائرة حاليا، لأنه هو من بدأها ولأنه كان يعي مسبقا طبيعة الرد الإسرائيلي، وتعرف فرنسا أنها لا يمكنها أن تكون فقط صديقة للبنان، ولكن يتعين عليها أن تاخذ مطالب إسرائيل بعين الاعتبار حتى تكون مقبولة منها وقادرة على التاثير عليها.
وفي موضوع السلاح، تفضل باريس وبكلام مبسط أن يعمد حزب الله إلى تسليم سلاحه للجيش اللبناني بدل أن تقوم إسرائيل بذلك وما يستتبعه من ضحايا ودمار.
ترحيب بمبادرة الرئيس عون
وتنظر باريس بارتياح لمبادرة الرئيس جوزيف عون بطرح مبادرته لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وترى أن هذه الخطوة هي ما يتعين على لبنان القيام به اليوم إذ لا حل آخر غيره، ولم يكشف السبت عما دار في الاتصال الهاتفي بين ماكرون وبري الذي يبدو أنه يعارض انطلاق المفاوضات حسبما نقل عنه، إلا أنها تعتبر أن الأخير قام بخطوات سياسية ما كان ليقدم عليها سابقا، كذلك تثمن باريس التواصل المباشر بين عون والرئيس السوري أحمد الشرع بخصوص ضبط الحدود بين البلدين وتعد ذلك تثبيتا للشرعية اللبنانية.
وما زالت باريس تطرح مساهمتها لحل الإشكالات الحدودية بين بيروت ودمشق معتبرة أن مصلحة البلدين تكمن في تنقية علاقاتهما وتطبيعها بعيدا عما كانت عليه في العقود السابقة.
-
-
ترامب يكشف عن تحالف دولي لتأمين مضيق هرمز2026-03-14 -
-
-
