ليس من السهل على أي دولة تحقيق الأمن المطلق، فالأمن بمفهومه الأساسي هو حفظ النظام، وقد تحقق ذلك في أنظمة حكم متنوعة عبر التاريخ، حتى في ظل الحكومات التي فرضت سيطرتها بقوة السلاح، لكن التحدي الحقيقي يكمن في جوهر الأمن ومصدره، فهل نسعى إلى أمن السلطة الذي يفرض بالقوة، أم إلى أمن العدل الذي ينبع من القيم الراسخة والقوانين العادلة؟
الأمن الذي تعتمد عليه الأنظمة الاستبدادية غالبا ما يكون مظهرا خارجيا، تفرضه أدوات القمع والمراقبة والعقاب، وهو بطبيعته هش وقابل للاهتزاز، لأنه يقوم على الخوف لا على الرضا، وعلى الردع لا على العدالة، لذلك يبقى هذا النوع من الأمن مهددا بالتغيرات في موازين القوى أو الشرعية.
في المقابل، يوجد نوع آخر من الأمن أكثر ثباتا واستدامة، وهو الأمن الذي ينبثق من العدل، عندما يشعر المجتمع بأن القواعد التي تحكمه عادلة، وأن السلطة التي تطبقها تخضع لمرجعية عليا وليست مجرد إرادة فردية، وتعكس أعلام الدول هويتها ومبادئها وقيمها وتوجهات أنظمتها السياسية أو الفكرية، وتحمل رموزا ذات دلالات دينية أو تاريخية أو ثقافية.
وفي سياق متصل، يتميز علم المملكة العربية السعودية بتفرده، ليس فقط في ألوانه ورموزه، بل أيضا في دلالاته ومضامينه، فهو يعكس عراقة الدولة ويجسد هويتها ويمثل القيم والمبادئ التي قامت عليها، ويأتي الاحتفاء بيوم العلم السعودي في الحادي عشر من مارس من كل عام، ليؤكد على العلاقة الوثيقة بين السعوديين وعلم دولتهم واعتزازهم بهويتهم.
وقال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز: إن الاحتفاء بيوم العلم يأتي تأكيدا على الاعتزاز بهويتنا الوطنية وبرمزيته التاريخية ذات الدلالات العظيمة والمضامين العميقة التي تجسد ثوابتنا وتعد مصدرا للفخر بتاريخنا، واكد أن الدولة السعودية أقامها الأجداد على كلمة التوحيد وتحقيق العدل وجمع الشتات تحت راية واحدة، بما حقق بفضل الله تعالى الأمن والازدهار.
ويرى الباحث والمؤرخ السعودي الدكتور عبد الله المنيف أن العلم السعودي ليس مجرد رمز سيادي للدولة، بل هو تعبير ذو دلالة عميقة عن فلسفة الدولة ورؤيتها للحياة والمجتمع، واضاف أن اللون الأخضر الذي يرمز إلى الإسلام والازدهار يعكس الدعم الكامل لدولة قامت على منهج إسلامي مع حرص على العدل ونشر الأمن بمفهومه الشامل، وبين أن عبارة لا إله إلا الله محمد رسول الله تبرز الأساس الخالد الذي تقوم عليه الدولة وتؤكد التزامها بمنهج لا يحيد بوصفه مرجعا أساسيا للحكم والسياسة.
وتابع المنيف أن السيف الذي يرمز إلى القوة وتحقيق العدل يعكس جهد الدولة في حماية المنهج الذي ارتأته صوابا بهدف نشر العدل وتثبيت الأمن في ربوعها، موضحا أن هذه العناصر الثلاثة ليست مجرد مكونات شكلية بل هي معادلة دقيقة تجمع بين العدل والأمن في علاقة سبب ونتيجة، فالمنهج الإسلامي هو الذي يمثل الأساسين الروحي والاجتماعي للدولة التي تسعى إلى تحقيق العدل والاستقرار وتضمن الأمن وتوفر البيئة الملائمة لممارسة الحق ونشره.
وأوضح المنيف أنه بهذا المعنى يصبح العلم السعودي رمزا للتفاعل الديناميكي بين مكونات الدولة، حيث تسعى إلى تحقيق الأمن بوصفه ضرورة لتثبيت الحق ونشره، كما تسعى إلى تحقيق العدل والاستقرار بوصفهما أساسا للأمن الشامل والازدهار المستدام.
لذا يمكن قراءة العلم السعودي قراءة تاريخية تتجاوز كونه رمزا سياديا إلى كونه صياغة رمزية لرؤية الدولة، فالعناصر الثلاثة التي يتكون منها العلم: اللون الأخضر والعبارة والسيف ليست مجرد مكونات شكلية، بل تعكس معادلة دقيقة بين العدل والأمن في علاقة سبب ونتيجة.
وهنا يذهب الخبير القانوني الدكتور فهد الطريسي إلى أن العبارة التي تتوسط العلم (لا إله إلا الله محمد رسول الله) تمثل المرجعية العليا للنظام، فهي إعلان صريح بأن العدالة التي يقوم عليها الحكم ليست نتاج إرادة سياسية مؤقتة بل تستند إلى مرجعية شرعية ثابتة.
واضاف الطريسي أن وجود هذه العبارة في مركز العلم يعني أن القانون والعدل يستمدان مصدرهما من منظومة قيمية عليا لا من سلطة الحكم وحدها، وأشار إلى أن السيف الذي يرد أسفل العبارة فدلالته ليست العنف أو التسلط بل سلطة إنفاذ العدل، فكل نظام قانوني يحتاج إلى قوة تحميه وتفرض احترامه وإلا بقي مجرد نصوص، لذا فإن السيف هنا يرمز إلى القوة التي تحمي المبدأ لا القوة التي تحل محل المبدأ، ولذلك جاء موقعه أسفل العبارة في ترتيب رمزي يوضح أن القوة خادمة للعدل وليست بديلا عنه.
وأشار الطريسي إلى أن اللون الأخضر الذي يملأ مساحة العلم وهو اللون الذي ارتبط تاريخيا في الثقافة الإسلامية بالسكينة والاستقرار والطمأنينة يبقى في القراءة الرمزية، ويمكن فهم هذا اللون بوصفه حالة الأمن المجتمعي التي تتحقق عندما يستقر العدل في النظامين السياسي والقانوني.
وأضاف الطريسي أن بذلك تتشكل معادلة واضحة في رمزية العلم السعودي: المرجعية تؤسس للعدل والقوة تحمي هذا العدل فينتج عن ذلك أمن المجتمع واستقراره، ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين نوعين من الأمن: الأول أمن السلطة وهو أمن مفروض بالقوة وقد يتحقق في الأنظمة الديكتاتورية، والثاني أمن العدل وهو الأمن الذي يتولد طبيعيا حين تكون القاعدة التي تحكم المجتمع عادلة وتحظى بشرعية قيمية وقانونية.
وتابع الطريسي أنه لهذا يمكن القول إن العلم السعودي في بنيته الرمزية يقدم تصورا واضحا لفكرة الدولة: الأمن ليس نقطة البداية بل هو النتيجة والسبب الذي يقود إليه هو العدل الذي تحميه القوة المشروعة ضمن مرجعية ثابتة، وفي هذا المعنى يتحول العلم من مجرد رمز وطني إلى اختزال بصري لرؤية الحكم التي ترى أن الاستقرار الحقيقي لا يبنى بالخوف بل بالعدل الذي يصنع الأمن.
أما بالنسبة إلى السعوديين فالعلم يترجم احتياجات وتطلعات الإنسان السعودي التي تتلخص في العدل والاستقرار والأمن والرخاء، وهم في احتفائهم بيوم العلم يحتفون بوطن آمن بأن القوة تكمن في وحدته وقيادة جعلت خدمة شعبها على رأس أولوياتها وراية خفاقة التحم فيها الشعب بقيادته عبر قرون، كما تكسرت تحتها جميع محاولات استهداف الوطن عبر الأزمنة.
من هنا تصبح سردية العلم السعودي أكثر من وصف لرمز وطني، إنها قصة علاقة سببية واضحة في بناء الدولة: حين يكون العدل هو الأصل وتكون القوة خادمته ويغدو الأمن نتيجته الطبيعية، ولهذا فإن العلم السعودي في رمزيته التاريخية والقانونية يختزل فكرة جوهرية: أن الأمن الحقيقي لا يفرض بالسيف وحده بل يولد من العدل الذي يحمله السيف لحمايته وينتج عنه الاستقرار والرخاء:
على أرضنا قامت على العدل دولة
تشير إليها بالخلود الأصابع
إلى الراية الخضراء تهفو قلوبنا
لنا معمعان حولها وتدافع
ونخطب من سلمان خالص وده
وإن مجيبا من نداه لسامع.





