تريث الحوثيين يثير التساؤلات مع احتدام الحرب على ايران

تريث الحوثيين يثير التساؤلات مع احتدام الحرب على ايران

في تطورات متسارعة تشهدها المنطقة، دخلت فصلا جديدا من التاريخ مع اعلان الولايات المتحدة واسرائيل حربا مفتوحة على ايران، وشكلت الضربة الاولى منعطفا استثنائيا بتصفية المرشد الايراني علي خامنئي وعشرات من كبار قادته العسكريين.

لم تحمل الحرب التي شنتها اميركا واسرائيل مفاجات كثيرة، اذ قضت منذ ايامها الاولى على المرشد الايراني علي خامنئي، وتركت الاحداث التي دخلت اسبوعها الثاني تساؤلا ملحا وهو: لماذا تريث الحوثيون في الانضمام الى الاذرع الايرانية الاخرى في لبنان والعراق الى المعركة؟

يطرح السؤال والاقليم يشهد تطورا غير مسبوق من الصدام، تطايرت خلاله الصواريخ الايرانية باتجاه اسرائيل ودول الخليج العربي واماكن اخرى، كما توالت الضربات الاميركية والاسرائيلية على مدار اسبوع كامل، وسط توقعات باتساع مدة المواجهة.

وكان من اللافت ان اقوى اذرع ايران واكثرها قدرة على ايذاء المصالح الغربية والاسرائيلية، وهي الجماعة الحوثية في اليمن، لا يزال في موقع المتفرج حتى الان، بخلاف حزب الله اللبناني وبعض الفصائل العراقية الموالية لايران التي انخرطت في الصراع.

فبعد الهجمات الحوثية الجوية والبحرية التي استمرت نحو عامين، والتي اطلقت خلالها الجماعة اكثر من الف مسيرة وصاروخ باتجاه اسرائيل والسفن في البحر الاحمر، اكتفى زعيمها عبد الملك الحوثي بالدعوة للتظاهر في صنعاء وادانة مقتل خامنئي، والتلويح بان ايادي جماعته على الزناد بحسب مقتضيات التطورات، وفق تعبيره.

ومع تزاحم الاسئلة في الاوساط السياسية والشعبية باليمن، بل وفي الاوساط الدولية حول طبيعة هذا الموقف الحوثي، تتباين التفسيرات حول اسباب موقف الجماعة التي جاءت سمعتها في الاساس على انها اليد الايرانية في جنوب الجزيرة العربية.

الصدمة وقنوات الاتصال

ارجع محللون اول الاسباب الى الارتباك وليس التكتيك في ادارة المعركة.

وقال الباحث والاكاديمي اليمني فارس البيل ان عدم دخول الحوثيين الى الحرب حتى اللحظة ليس تكتيكا في تقديري بقدر ما هو ارتباك في ادارة المعركة من جهة النظام الايراني نتيجة الضربة المفاجئة والكبيرة التي اصابت النظام باستهداف المرشد في اول لحظة وقيادات كبرى واستهداف القدرات العسكرية والعملياتية في الساعات الاولى.

واستدل الباحث بسير المعركة لدى النظام الايراني نفسه، الذي يرى انه بدا في حالة فوضى وردات فعل غير مدروسة، واصفا اطلاق الصواريخ بانه نوع من الفوضى العملياتية المنفلتة ما يعني ان العصب العسكري والهيكلية العسكرية تعرضا للخلخلة وافتقاد زمام المبادرة والتماسك.

واكد هذا الطرح الباحث اليمني في مركز صنعاء للدراسات توفيق الجند، مشيرا الى مشكلة تنظيمية قد تكون السبب الرئيسي في الصمت الحوثي، وقال: يبدو ان قنوات الاتصال التنسيقية الحوثية قد فقدت الاتصال بطهران لتلقي التوجيهات العاجلة بناء على تطورات القصف الاميركي الاسرائيلي.

واتفق معهما الباحث اليمني عدنان الجبرني المتخصص في الشؤون العسكرية، موضحا ان انخراط الجماعة الحوثية تحكمه عدة عوامل تخضع للنقاش والتقييم المستمر بشكل يومي ضمن غرفة عمليات المحور وقنوات الاتصال العسكرية.

ومن بين هذه العوامل، بحسب الجبرني، اصرار الرئيس الاميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو على اسقاط النظام في ايران.

وعاد البيل بالقول ان الاوضح هو موقف وتردد الحوثيين حتى الان، ضبابية التصرف تسيطر عليهم ولا يعرفون ما يقولونه بشكل واضح، وبدا هذا التعثر والارتباك حتى في بيانات الحوثي بلا موقف واضح ولا حتى اتضاح خطط مقبلة، ما يعني انه لم يتلق التعليمات الكاملة حتى الان وان حلقات تواصل وتوجيه قد فقدت، فبدا الحوثي كما لو انه لا يعرف ماذا يفعل.

اختلاف الاجنحة والضغوط الداخلية

من زاوية مختلفة، تحدث المستشار الاعلامي في السفارة اليمنية بالرياض صالح البيضاني عن معركة موازية تدور داخل اروقة الجماعة الحوثية، وقال ان هناك تيارا يدفع باتجاه الانخراط المباشر في المواجهة واستئناف العمليات بالبحر الاحمر.

واستدل على ذلك بانه قد جرى بالفعل تسريب خبر يفيد باستئناف الهجمات قبل ان يسارع جناح اخر داخل الجماعة الى نفيه في مشهد يعكس حالة من التخبط والارتباك.

واشار البيضاني الى وجود عامل خارجي مؤثر، اذ يعتقد ان الحوثيين تلقوا نصائح اقليمية من وسطاء اقليميين بعدم التدخل في هذه المرحلة وانتظار نتائج المواجهة خلال الايام المقبلة.

من جهته، راى الباحث اليمني في شؤون الاعلام والاتصال صادق الوصابي ان الحوثيين يدركون ان توقيت الانخراط الكامل في هذه الحرب ليس في صالحهم وقد يفتح عليهم ابوابا يصعب اغلاقها.

واوضح الوصابي ان الجماعة تعيش اصلا في ظل هشاشة اقتصادية كبيرة بمناطق سيطرتها، وتعاني من اثار الضربات التي تلقتها مؤخرا سواء على مستوى القدرات العسكرية او البنية التحتية.

واضاف ان احد ابرز عناصر قوة الجماعة، وهو الدعم الايراني العسكري والمالي واللوجيستي لم يعد بالحجم نفسه في ظل الضغوط التي تواجهها طهران نتيجة الضربات والازمات المتسارعة التي تمر بها.

حسابات البقاء

قدم توفيق الجند قراءة تربط الموقف الحوثي بحسابات وجودية، اذ يرى ان الرد الحوثي بدا نظريا وكلاميا عبر خطابات زعيم الجماعة، لكنه استدرك بالقول ان الموقف هذه المرة مختلف لعدة اسباب منها ان الحوثي لا يريد الظهور مدافعا عن ايران حتى لا يخسر سردية دفاعه عن غزة التي كانت اصلا دعما لطهران في اطار محور المقاومة، وفق تقديره.

وقرا الجند مفارقة لافتة، ولا يستبعد ان الحوثيين قد يرون انفسهم راسمال جوهريا يبنى عليه مستقبلا، ربما بوصفه حاضنة لمحور المقاومة ان تعرضت ايران والحرس الثوري لضربات لا تسمح باستئناف نشاط مبكر من اطارها الجغرافي والتحول الى ميليشيات اقليمية قد تكون جبال اليمن مقرا لها.

وخلص الى احتمال انه اذا فكرت الجماعة بطريقة نفعية ونظرا لحجم الهجمات التي تتلقاها طهران فالجماعة قد لا تفكر سوى بحبل النجاة واستثمار خسائر طهران لرفد قدراتهم البشرية والتسليحية بوصف ذلك ملاذا لبقايا قوة الدولة المارقة، ليرى عبد الملك الحوثي نفسه خامنئي جديدا على المذهب الزيدي هذه المرة.

واضاف الجند بالقول ان الهجوم الاميركي والاسرائيلي على ايران كان قويا، والحوثيون خائفون على انفسهم اكثر من اي وقت مضى بالنظر الى ما حدث للمرشد الايراني وكبار قادته ومن قبله ما حدث لحسن نصر الله وكبار قادة حزبه ناهيك بالضربات الموجعة التي تعرضت لها الجماعة نفسها.

التقدير الاستراتيجي

بين هذه القراءات، راى المحللون ان الحوثيين يخضعون لتقييم يومي داخل غرفة عمليات المحور، وقال عدنان الجبرني ان الجماعة جاهزة للتدخل منذ اليوم الاول، مشيرا الى ان تاخرها يعود الى تقديرات ايرانية تتعلق بتطور الحرب وضرورة ضمان استدامة العمليات العسكرية من دون استنفاد جميع اوراق الضغط دفعة واحدة.

واضاف ان الموقف قد يتغير في حال تعرض حزب الله لضربة قاسية نتيجة انخراطه في اسناد ايران، او اذا تعرض الحوثيون انفسهم لضربة استباقية، مؤكدا انه حتى في حال لم يتحقق اي من هذه العوامل وطلبت ايران تدخل الحوثي فلن يتردد.

وراى الباحث والاستشاري في شؤون الامن الاقليمي والدفاع والحرب والسلام ابراهيم جلال ان السياق الاستراتيجي للحرب يجعل انخراط الحوثيين في صف ايران احتمالا قائما بقوة.

وقال جلال ان ايران انشات ما يعرف بمحور المقاومة لهذه اللحظة التاريخية بالذات لحمايتها حين تتهاوى عقيدة الدفاع المتقدم ويتفكك طوق الميليشيات الممتد من البحر المتوسط الى البحر الاحمر.

واضاف ان الحوثيين ليسوا حالة خاصة خارج هذا المسار، مرجحا ان ينضموا الى المواجهة بعد انخراط حزب الله اللبناني وبعض الميليشيات العراقية، وتساءل: هل يمكن ان يكون هؤلاء اوفى لطهران من الحوثيين؟.

هل يتخذ قرار الحرب؟

راى جلال ان التطورات الحالية تمثل لحظة فارقة في مسار الحركة الحوثية العابرة للحدود، فاما ان يؤكد الحوثيون عمقهم الايديولوجي ضمن المحور او يختاروا التنازل عن ايران التي انهكت فعلا خلال الجولة الاخيرة.

ورجح فارس البيل ان دخول الحوثيين في الحرب سيعتمد على ما تبقى من قدرة لدى النظام الايراني في ادارة المعركة في الايام المقبلة، مشددا على ان الحوثي سيدفع به الى ممارسة اي عمل عسكري باعتباره استثمارا طويلا ومكلفا لدى النظام الايراني ولن يوفره في لحظات نزعه الاخير.

من جهته، اشار البيضاني الى ان الكفة تميل حتى الان لصالح الجناح الحوثي المطالب بالمشاركة في المواجهة خصوصا بعد تجاوز الصدمة، وقال: مع شروع كل من حزب الله العراقي وحزب الله اللبناني في الانخراط في القتال لا يستبعد ان يعلن الحوثيون مشاركتهم ما لم تطرا تطورات متسارعة في طهران مثل اندلاع احتجاجات شعبية واسعة او وقوع انشقاقات كبيرة داخل الحرس الثوري.

وراى صادق الوصابي ان الحوثيين قد يلجاون الى تحركات محدودة لاظهار استمرارهم ضمن المحور مثل تنفيذ هجمات في البحر الاحمر او اطلاق مسيرات باتجاه اسرائيل، محذرا من ان اي تورط قد يغير حسابات الاطراف الاخرى.

وقال ان الحكومة اليمنية والتحالف الداعم لها قد يجدان في ذلك فرصة للضغط على الجماعة سياسيا وعسكريا خصوصا اذا ارتبطت تحركات الحوثيين بشكل مباشر بتهديد الملاحة الدولية او امن المنطقة.

لكنه اقر بان اي خطوة من هذا النوع قد تكون لها تبعات خطيرة على اليمن خصوصا في ظل الوضع الانساني والاقتصادي الماساوي الذي يعيشه السكان.

وكان المبعوث الاممي الى اليمن هانس غروندبرغ شدد على اهمية حماية البلاد من الانجرار الى دورة جديدة من المواجهات الاقليمية، محذرا من انه ليس من حق اي طرف جر اليمن الى صراع اوسع يعرض اليمنيين لمزيد من المعاناة.

وفي وسط هذه التحليلات، رجح المراقبون للشانيين اليمني والاقليمي ان الحوثيين في حال قرروا استئناف هجماتهم البحرية او شن صواريخ باتجاه اسرائيل فان الرد الاميركي والاسرائيلي سيكون اكثر عنفا هذه المرة، وبخاصة ان واشنطن وتل ابيب تخوضان حرب وجود مع ايران نفسها فضلا عن تعقيدات الداخل اليمني نفسه والمحيط الاقليمي وردود الفعل المتوقعة.