في ظل التطورات الرقمية المتسارعة عالميا، تظل فرص اكتساب المهارات التقنية والتوظيف الأمثل لها تتركز في المدن الرئيسية، بينما تواجه المحافظات تحديات مضاعفة في مجالي التدريب والتوظيف، وفي هذا السياق، بادرت ظلال الشمايلة في محافظة الكرك جنوبي الأردن، إلى معالجة هذه الفجوة باعتبارها قضية قابلة للحل.
وفي منطقة البحر الأبيض المتوسط، لا تقتصر الفجوة الرقمية على الاتصال بالإنترنت فحسب، بل تمتد لتشمل تمركز المهارات والاستثمارات في مناطق جغرافية محددة.
وقد ساهم تباطؤ التحول الرقمي في بعض المناطق في تفاقم هذا التفاوت، كما تظهر فجوات واضحة في فرص الحصول على التدريب والتأهيل في غرب البلقان ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفقا لتاكيدات الاتحاد من أجل المتوسط.
وتبرز هذه التحديات بشكل أكبر خارج المراكز الحضرية الكبرى، حيث تقل المؤسسات التدريبية وتتضاءل فرص العمل المتخصصة، وكان هذا الواقع نقطة انطلاق لمسيرة ظلال.
وبينت ظلال، خريجة الهندسة الكهربائية والإلكترونية عام 2014، أن سوق العمل لم يكن سهلا كما توقعت، وأن الفرص المتاحة في مدينتها كانت محدودة للغاية.
واضافت، أنه في الكرك، نادرا ما توفرت وظائف تتناسب مع تخصصها، وكان الانتقال إلى العاصمة خيارا شائعا للكثيرين في وضعها، إلا أنها فضلت البقاء وطرحت سؤالا مختلفا: ماذا لو أمكننا خلق الفرص بدلا من انتظارها؟
وفي عام 2019، أسست ظلال "إيزي كِت أكاديمي"، وهي مؤسسة مهنية متخصصة في تعليم المهارات التقنية ودعم ريادة الأعمال والتعليم، وتقوم فكرتها على توفير تدريب عملي وبأسعار معقولة داخل المجتمع المحلي، مع التركيز على تلبية الاحتياجات الفعلية.
واوضحت أن الأكاديمية تستهدف المراهقين والشباب والمعلمين والنساء، حيث يتعلم الطلاب أساسيات الروبوتات والذكاء الاصطناعي والبرمجة والتصميم، بينما يحصل المعلمون على الدعم لدمج المهارات التقنية في الفصول الدراسية، حتى في ظل محدودية الموارد.
وبينت أن الأكاديمية توفر برامج تدريبية للسيدات ورائدات الأعمال الشابات في مجالات الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتقنيات القطع بالليزر، والتجارة الإلكترونية، والتسويق الرقمي.
وقالت ظلال: "يشهد العالم تحولا سريعا نحو التقنيات المتقدمة، ولكن العديد من القطاعات محليا لا تزال بعيدة عن هذه التحولات، وهذا يؤثر بشكل مباشر على حجم الفرص الاقتصادية المتاحة".
واشارت إلى أن جهودها حظيت باهتمام رسمي، حيث تم تعيينها سفيرة لريادة الأعمال في محافظة الكرك من قبل وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، التي تقود مسيرة التحول الرقمي الوطني مع التركيز على الشمول الاجتماعي.
واكدت أنه في عام 2024، أصبحت مبادرتها من بين المشاريع المستفيدة من برنامج المنح الذي أطلقه الاتحاد من أجل المتوسط لتعزيز التوظيف وريادة الأعمال في الاقتصاد الأخضر.
وذكرت أن البرنامج يهدف إلى تمكين الشباب والنساء من اكتساب مهارات خضراء مرتبطة باحتياجات سوق العمل، وتطوير مشاريع صديقة للبيئة في جنوب المتوسط، وقد ساهم هذا الدعم في تعزيز قدرات الأكاديمية وتوسيع حضورها وربط تجربتها بإطار إقليمي أوسع.
ولفتت إلى أن لجائحة كوفيد-19 أثرا غير متوقع في مسيرتها، حيث أتاح التحول إلى المنصات الرقمية المشاركة في تدريبات واجتماعات كانت تتطلب سابقا السفر، مما وسع شبكة علاقاتها المهنية خارج حدود الكرك، وقالت: "كأن الجغرافيا أصبحت مكانا واحدا".
واضافت أن هذه الروابط الرقمية تحولت لاحقا إلى لقاءات مباشرة، إذ شاركت في فعاليات استضافها الاتحاد من أجل المتوسط في برشلونة، ولاحقا في باليرمو، وأسهمت هذه المشاركات في توسيع شبكة علاقاتها وتعزيز مصداقيتها وفتح قنوات تواصل مع مؤسسات ومصادر تمويل تدعم نمو مشروعها.
واختتمت مسيرتها بحصولها على جائزة أفضل مشروع قائم في مسابقة "إلهامها"، وهو إنجاز وصفته بأنه "لحظة تتويج" بعد "كل التحديات التي تمكنا من التغلب عليها".
ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة، فرائدات الأعمال في المحافظات يواجهن صعوبات في الوصول إلى التمويل والمعرفة والشبكات المهنية، إلى جانب ضغوط اجتماعية ومسؤوليات متداخلة بين العمل والأسرة.
وترى ظلال أن الحلول لا يمكن أن تكون موحدة، بل ينبغي أن تراعي الفروق الجغرافية والاجتماعية، وتقول: "احتياجات المرأة في المحافظة أو في منطقة نائية تختلف عن احتياجات المرأة في العاصمة، لذلك يجب تصميم البرامج بما يتناسب مع هذا الواقع".
وتقدم تجربة ظلال الشمايلة مثالا على أن الابتكار لا يولد في العواصم وحدها، بل يمكن أن ينشأ في مدن بعيدة عن المركز، حين تتوافر الرؤية والإصرار والقدرة على بناء الشراكات، ففي أماكن توصف أحيانا بالهامشية، قد تبدأ مبادرات قادرة على إعادة رسم خريطة الفرص.





