أحدثت منصة "أبسكرولد" الجديدة ضجة واسعة في عالم التواصل الاجتماعي، حيث استقطبت ملايين المستخدمين خلال فترة قصيرة.
وتتبنى المنصة رؤية مختلفة عن غيرها، اذ صرح مؤسسها عصام حجازي في قمة الويب بالدوحة انها تشجع على التعبير الحر ضمن الأطر القانونية والاخلاقية.
ولذلك، اكتسبت المنصة سمعة فريدة، اذ يعتبرها البعض منبرا للقضية الفلسطينية، على الرغم من ان انتشارها بدأ في الولايات المتحدة.
وتمثل هذه السمعة سلاحا ذا حدين، اذ قد تتحول المنصة الى منبر عالمي للتعبير الحر، او تقتصر على قضية واحدة وتصبح "غرفة صدى"، كما وصفتها مريم رزق، الباحثة في دراسات الشرق الأوسط والصحفية المصرية.
ولكن ما الذي سيحدد مسار المنصة؟ وهل لديها فرصة حقيقية للنجاح في ظل المنافسة الشديدة؟
التحدي الأصعب: إدارة وتنظيم المحتوى
يواجه مستقبل "أبسكرولد" تحديات كبيرة قبل ان تصبح منصة عالمية ناجحة.
ويرى الدكتور فريد أبو ضهير، المحاضر بجامعة النجاح الوطنية، أن المنصة نجحت في جذب الشباب، ولكنها تحتاج الى المزيد لتكون بديلا حقيقيا للمنصات الأخرى.
واوضح ان التحديات التقنية تكمن في التعامل مع أعداد كبيرة من المستخدمين والمحتوى المتنوع، وإدارة هذا المحتوى بشكل فعال، وهو التحدي الأهم برأيه.
ويتساءل أبو ضهير عن كيفية تعامل المنصة مع الآراء المختلفة، وكيف يمكنها عرض الآراء المعارضة بحرية، وكيف تتجنب الوقوع في فخ استبعاد الطرف الآخر؟
ويشير أبو ضهير إلى أن منصات التواصل الاجتماعي الغربية أصبحت متواطئة مع الاحتلال الإسرائيلي.
واكد ان العودة إلى القيم التي أرساها الإسلام قد تكون مناسبة لإدارة منصة مثل "أبسكرولد"، حيث يسمح بنشر الانتقادات طالما لا تخالف قوانين الخصوصية والقوانين العامة.
ويشير الى ان هذه المعايير أقرتها ايضا منظمة اليونسكو بشأن أخلاقيات الإعلام.
غرفة صدى حول القضية الفلسطينية
من جانبها، ترى الصحفية مريم رزق أن ظهور منصة مثل "أبسكرولد" كان حتميا بسبب القيود التي تفرضها المنصات الأخرى.
ويذكر ان رزق قدمت بحثا حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الرأي العام خلال حرب غزة.
وترى رزق أن إدارة "أبسكرولد" ستحتاج الى التطور مع ازدياد عدد المستخدمين وتأثيرها.
ولكن السؤال هو: من سينتقل الى "أبسكرولد"؟ فإن اقتصر المهاجرون على مؤيدي القضية الفلسطينية، فقد تتحول المنصة الى غرفة صدى ذات جمهور محدود.
وتضيف رزق ان حرب غزة كانت لحظة فارقة بوصول الرواية الفلسطينية الى جماهير جديدة.
وعن كيفية تجنب التحول الى غرفة صدى، تجيب رزق بأن المفتاح هو تبني جميع وجهات النظر المختلفة والاستمرار في ذلك.
كما أن آلية مراقبة المحتوى وتنظيمه تعد عاملا محوريا في نجاح المنصة، اذ يجب ان تتبنى المنصة رؤية واضحة وشفافة حول المحتوى.
ووجهت رزق نصيحة لإدارة "أبسكرولد" بألا تنتمي المنصة الى معسكر بعينه، فالمنصات التي تبنى حول قضية واحدة تموت مع الوقت، بينما المنصات المفتوحة تضمن الاستمرارية والنجاح.
هل يمكن اعتبار "أبسكرولد" هجرة رقمية عالمية؟
من ناحيتها، تحاول هناء الصعوب، الباحثة في جامعة البتراء، الإجابة عن هذا السؤال، وتؤكد أن ما يحدث مع المنصة يعكس استجابة جماهيرية حقيقية.
كما يعزز صعود المنصة من دور منصات التواصل الاجتماعي في العصر الحديث، اذ لم تعد مجرد أدوات ترفيه، بل ساحات للصراع السياسي.
وهي ترى أن الإقبال على المنصة يعكس شعور المستخدمين بأن المنصات الكبرى تخضع لسياسات تقييد المحتوى.
وتصف الصعوب الانتقال إلى "أبسكرولد" بأنه هجرة جماعية احتجاجية، موضحة أن النجاح يتطلب النظر الى الدور الذي تؤديه المنصة في النظام الإعلامي الأوسع.
وتضيف قائلة: "حتى الآن يبدو أن أبسكرولد نجحت في أن تكون منصة تضامن رقمي بامتياز، حيث يرتكز جزء كبير من محتواها حول خطاب داعم لغزة ومناهض للسرديات الغربية السائدة".
ولكنها ترى أن التحول إلى فضاء إخباري عالمي يتطلب توافر 3 شروط أساسية: تنوع حقيقي في المحتوى، وآليات تحقق ومصداقية واضحة، وانفتاح الخوارزميات على عرض وجهات النظر المتعددة.
وتختم الصعوب حديثها مؤكدة أن "أبسكرولد" هي ظاهرة ذات دلالات عميقة في مسار تطور الإعلام الرقمي، وتصفها بأنها أقرب في المدى المنظور إلى أن تكون "منصة متخصصة يجمعها خطاب وجمهور معين".
لذلك فرغم أن "أبسكرولد" قد تشكل ساحة مهمة للنشاط السياسي والإنساني الجذاب والمرغوب، إلا أنها ليست بالضرورة بديلا عالميا شاملا للمنصات الكبرى.
مستقبل مفتوح
ما زال المستقبل أمام منصة "أبسكرولد" مفتوحا على مصراعيه، اذ قد تسير المنصة في العديد من المسارات التي توصلها في النهاية إما للعالمية أو التحول إلى غرفة صدى مغلقة على مجموعة من الآراء المتماثلة، ولا يسعنا إلا الانتظار حتى نرى الاتجاه الذي تسير فيه "أبسكرولد".





