ايران تواجه ضغوطا داخلية وخارجية وتراهن على استنزاف الخصوم

ايران تواجه ضغوطا داخلية وخارجية وتراهن على استنزاف الخصوم

بعد مرور اسبوع على تصاعد التوترات، يتركز الاهتمام حاليا ليس فقط على تقييم الخسائر التي تكبدتها ايران، بل ايضا على تحليل ما اذا كانت الولايات المتحدة وتل ابيب قادرتين على استغلال التفوق العسكري لتحقيق انهيار سياسي في ايران.

فقد استهدفت الضربات الامريكية والاسرائيلية البنية التحتية القيادية والعسكرية بعمق داخل ايران، حيث طالت اكثر من الفي هدف، وبينما اعلنت واشنطن عن تدمير جزء كبير من القدرات البحرية ومنشات الصواريخ، اشارت الى مرحلة مستقبلية ستركز على تفكيك القدرة الانتاجية الصاروخية على المدى الطويل، ورغم كثافة النيران، لا تزال المؤشرات الحاسمة على وجود تصدعات داخلية قد تؤدي الى سقوط سريع غائبة.

وتشكل هذه المعطيات مفارقة في المشهد الايراني الراهن، فالنظام غير قادر على تغيير موازين القوى عسكريا في مواجهة خصم متفوق جويا وتكنولوجيا، لكنه في الوقت نفسه لا يتصرف كقوة مهزومة تستعد للاستسلام، وتشير التقديرات الغربية والعربية الى ان بنية الحكم ما زالت متماسكة نسبيا، وان القبضة الامنية داخل البلاد لم تضعف، حتى مع اتساع نطاق الضربات التي تستهدف طهران ومؤسسات الدولة والاجهزة الامنية الداخلية، ولهذا السبب، يبدو ان طهران لا تراهن على تحقيق النصر، بل على منع خصومها من تحويل تفوقهم العسكري الى مكاسب سياسية سريعة.

ازمة الخلافة وتماسك النظام

وفي هذا السياق، تزداد اهمية ازمة الخلافة، فالتاخر في اعلان خليفة للمرشد علي خامنئي لا يعكس فقط وجود اضطرابات ادارية، بل ايضا مخاوف حقيقية من ان يتحول الاسم المعلن الى هدف مباشر، وزاد الرئيس الامريكي من تعقيد المشهد حين صرح بانه يريد ان يكون له دور في اختيار القيادة المقبلة، معتبرا مجتبى خامنئي خيارا غير مقبول، ومؤكدا ان واشنطن ستعمل على الدفع نحو قيادة تحقق الانسجام والسلام لتجنب تكرار حروب مماثلة في المستقبل.

واضاف ان هذا التصريح يوضح الهدف من الحرب ويتجاوز مجرد اضعاف القدرات العسكرية الى التاثير في شكل النظام الذي قد يخرج من هذه المعركة.

وبين الباحث في معهد الشرق الاوسط بواشنطن، اليكس فاتنكا، ان فصلا جديدا قد بدا بالفعل، لان الجيل الذي صاغ الجمهورية الاسلامية لم يعد موجودا ليتولى المرحلة التالية بالطريقة نفسها، ويرى فاتنكا ان السؤال الاهم ليس فقط من سيحكم، بل ايضا ما اذا كان الناجون من النظام سيضاعفون العداء لامريكا، ام سيعقدون صفقة مع ترمب ويتعايشون مع الوجود الامريكي في الشرق الاوسط، وتعتبر هذه الملاحظة جوهرية، لانها تحول النقاش من ثنائية البقاء او السقوط الى طبيعة النظام الذي قد ينجو، سواء كان نسخة اكثر تشددا او سلطة تضطر الى تعديل سلوكها لحماية بقائها.

رهان الاستنزاف بدلا من الحسم

وفي الميدان، تبدو المعادلة الايرانية واضحة، فهي تعتمد على رهان الاستنزاف بدلا من الحسم، فقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال ان التهديد الصاروخي الايراني قد تراجع، وان طهران تطلق عددا اقل من الصواريخ نحو عدد اكبر من الاهداف، بينما اشارت تقارير اخرى الى ان قدراتها الباليستية تضررت بشدة، وان قدرتها على اطلاق رشقات كثيفة كما في الايام الاولى قد انخفضت بشكل ملحوظ.

واكدت الصحيفة انه في المقابل، استمرت ايران في توسيع ساحة الاشتباك عبر المسيرات والهجمات منخفضة التكلفة، مما يضغط على دول المنطقة وطرق الطاقة والشحن، ولخص الباحث في معهد نيو اميركا، باراك بارفي، ذلك بقوله ان الايرانيين ياملون في كسب الوقت، اي انهم يريدون انهاك الامريكيين على اكثر من جبهة، بدءا من محدودية الذخائر الاعتراضية وصولا الى تعب الراي العام واسواق الطاقة المضغوطة والاقتصادات المثقلة، ووفقا لهذا المنطق، لا تحتاج طهران الى نصر عسكري مباشر، بل يكفيها ان تجعل الحرب اطول واغلى واكثر تعقيدا حتى تدفع خصومها الى البحث عن مخرج.

واوضح الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى، فرزين نديمي، ان النظام الايراني يتعرض لضغط هائل من القوة الجوية الامريكية والاسرائيلية، ويعلم ان الهدف النهائي للحملة هو اسقاطه، لكنه يواصل القتال، لانه ما زال يعتقد ان بوسعه النجاة.

ومن هنا، يرى نديمي انه يمكن فهم سبب بقاء الهجمات الايرانية على البنية الحيوية للطاقة ومحطات تحلية المياه وحتى اهداف القيادة السياسية في المنطقة محدودة نسبيا، فطهران لا تريد حرق كل اوراقها دفعة واحدة، طالما انها ترى ان لديها فرصة للصمود وفرض معادلة استنزاف على خصومها.

واشار نديمي الى ان صورة هذا الضبط الايراني كان يمكن ان تبدو مختلفة لو ان عددا كبيرا من الصواريخ الباليستية التي اطلقت على دول المنطقة لم يعترض ووصل الى اهدافه، اي ان محدودية الاثر لا تعود فقط الى قرار سياسي ايراني، بل ايضا الى فاعلية الدفاعات الجوية المقابلة.

كما بين ان الهجمات الصاروخية على اسرائيل تراجعت بوضوح بفعل القصف الامريكي الاسرائيلي المتواصل على الاهداف المرتبطة بالصواريخ، لكن ذلك لا يعني انتهاء الخطر، فايران لا تزال قادرة على احداث نتائج مدمرة بواسطة صواريخها الاحدث، كما ستظل قادرة على اطلاق اعداد كبيرة من المسيرات يوميا في المستقبل المنظور.

حسابات الورقة الكردية

وفي المقابل، لا تبدو حسابات واشنطن وتل ابيب محصورة في الضرب من الجو، فقد افادت رويترز بوجود نقاشات بين الولايات المتحدة واطراف كردية بشان عملية محتملة داخل ايران، مما يوحي بوجود تفكير في اضافة عنصر بري او شبه بري الى الحملة، سواء عبر معارضين محليين او عبر عمليات محدودة.

واضاف نديمي ان الحرب ستستمر اسبوعين على الاقل، وربما اكثر، مع ضرورة مراقبة احتمال ظهور مكون بري جديد، لكن هذا المسار سيكون شديد الحساسية، لان اللعب على ورقة الاقليات قد يضغط على النظام، لكنه قد يعزز ايضا نزعة وطنية مضادة لدى شرائح ترفض الحكم الديني وترفض تفكك الدولة.

اما خارجيا، فتبدو اللوحة شبه مقفلة امام طهران، فروسيا تقدم معلومات استخباراتية تساعد ايران على تعقب اصول امريكية في المنطقة، لكنها لا تملك القدرة او الرغبة في تغيير ميزان الحرب مباشرة، وفي الوقت نفسه، اظهرت تقارير رويترز ان بعض الشبكات الموالية لايران في العراق بقيت مترددة في الانخراط الكامل، مما يعكس تراجع قدرة طهران على تعبئة محورها الاقليمي كما في السابق، وهكذا تبدو ايران اليوم معزولة استراتيجيا، لديها ما يكفي لازعاج خصومها، لكن ليس ما يكفي لقلب المعادلة.

وفي الخلاصة، لا يبدو ان تغيير النظام بات وشيكا بالمعنى الحاسم، كما لا تبدو ايران قد خرجت سالمة، والارجح اننا دخلنا فعلا اليوم التالي، ولكن من دون اعلان رسمي، يوم تراجعت فيه هيبة النظام وقدرته التقليدية على الردع، من دون ان ينهار بعد، ويوم صار فيه سؤال الخلافة وشكل العلاقة المقبلة مع واشنطن جزءا من المعركة نفسها، واذا كان رهان طهران الان هو الصمود حتى انهاك الخصم، فان رهان خصومها هو ان يفضي هذا الصمود نفسه الى تفكك داخلي او الى تسوية تنتج نظاما اخر، او النظام نفسه، ولكن بسلوك مختلف، وبين الرهانين ستتحدد صورة ايران المقبلة.