هزت عملية عسكرية مفاجئة في كاراكاس العالم، حيث أطلقت واشنطن عليها اسم "عملية العزم المطلق"، وأسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات، ورغم أهمية الحدث السياسي، إلا أن التسريبات كشفت عن الدور المحوري لنموذج الذكاء الاصطناعي "كلاود" التابع لشركة "أنثروبيك" في توجيه الضربة الاستخباراتية.
كيف تسلل كلاود إلى غرف العمليات السرية؟
لم تكن "أنثروبيك" التي بلغت قيمتها 380 مليار دولار، طرفا معروفا في صفقات السلاح، بل قدمت نفسها كبديل "أخلاقي" لشركات الذكاء الاصطناعي الأخرى، وحملت شعار أنها رائدة في "الذكاء الاصطناعي الآمن والأخلاقي".
وتعمل شركات الذكاء الاصطناعي على بناء أدوات مخصصة للجيش الأمريكي، ويتوفر معظمها فقط على الشبكات غير السرية المستخدمة للإدارة العسكرية، لكن "أنثروبيك" تعد الشركة الوحيدة التي تتيح استخدام نموذجها للذكاء الاصطناعي ضمن "إعدادات سرية" عبر أطراف ثالثة.
ومع ذلك، تلتزم الحكومة بسياسات الاستخدام الخاصة بالشركة التي تحظر استخدام "كلاود" لدعم العنف أو تصميم الأسلحة أو إجراء عمليات المراقبة، وهو ما أثار تساؤلات حول كيفية استخدام الجيش للنموذج في عملية أدت إلى اشتباكات وقتلى من الجانب الفنزويلي.
بينت الحقائق التقنية أن الجيش الأمريكي لم يستخدم "كلاود" عبر واجهة دردشة تقليدية، بل تم توظيفه عبر شركة أخرى هي "بالانتير تكنولوجيز".
وذكرت التقارير أن بالانتير شركة متخصصة في تحليلات البيانات ومزود رئيسي للحكومة الأمريكية، وتستخدم منصاتها وأدواتها على نطاق واسع من قبل وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ووكالات إنفاذ القانون.
واضافت التقارير ان بالانتير كانت بمثابة "الجسر الآمن" الذي سمح بنقل نموذج "كلاود" من الاستخدام المدني إلى قلب العمليات العسكرية السرية، حيث عملت منصاتها كبنية تحتية دمجت نموذج "كلاود" مع تدفقات البيانات العسكرية الضخمة.
واستفادت بالانتير هنا من ميزة حاسمة في نموذج "كلاود"، وهي أنه نموذج الذكاء الاصطناعي المتقدم الوحيد الذي تتيح الشركة المطورة له إمكانية استخدامه ضمن "إعدادات سرية" عبر أطراف ثالثة مثل "بالانتير" في هذه الحالة.
واوضحت المصادر انه في حين تقتصر نماذج الشركات المنافسة مثل أوبن إيه آي (Open AI) غالبا على الشبكات غير السرية المخصصة للأعمال الإدارية، وفرت "بالانتير" القناة الأمنية المشفرة التي سمحت لـ"كلاود" بالوصول إلى بيانات حساسة وفورية لا يمكن للبشر معالجتها بالسرعة المطلوبة.
المهام العملياتية: "العقل التحليلي" خلف 150 طائرة
بينت المصادر ان دور "كلاود" في عملية "العزم المطلق" تجاوز مجرد التحضير والتدريب، ليصبح "عقلا تحليليا" يعمل في الوقت الحقيقي، وتلخصت مهامه التقنية في:
- تحليل الصور العلوية: معالجة صور الأقمار الصناعية بدقة متناهية لتحديد موقع مادورو، وهو ما وصفته التقارير بـ"المراقبة العلوية" الفائقة.
- فك التداخل الاستخباراتي: القدرة على تحليل المعلومات المعقدة وفك شفرة البيانات المتداخلة لتوجيه القوات المنطلقة من 20 قاعدة مختلفة.
- الدور في "العمليات النشطة": بخلاف الاستخدامات التقليدية، استُخدم النموذج أثناء تنفيذ الغارة نفسها، حيث كان يحلل البيانات ويوفر المعلومات للقوات في الميدان لضمان دقة التنفيذ.
وتجدر الملاحظة هنا أن دور "كلاود" كان تحليليا، فهو لم يتحكم في الأسلحة مباشرة، بل رسم خارطة الطريق الاستخباراتية لها، بينما استخدم البنتاغون أنظمة أخرى تولت مهام "إدارة الأنظمة المستقلة" (Autonomous Systems).
سقوط قناع "الذكاء الاصطناعي الآمن": مأزق "أنثروبيك"
أوقعت هذه العملية شركة "أنثروبيك" ورئيسها التنفيذي داريو أمودي في موقف حرج، فالشركة التي تضع "الأمان" كأولوية قصوى تجد الآن تقنيتها متورطة في عملية عسكرية غير مسبوقة، سقط فيها قتلى.
ورغم تأكيد تقرير صحيفة وول ستريت جورنال استخدام "كلاود" في عملية اعتقال مادورو، فإن الشركة رفضت تأكيد استخدام تقنيتها في تلك العملية، واكتفى متحدثها الرسمي بالقول: "لا يمكننا التعليق عما إذا كان كلاود قد استُخدم في أي عملية محددة".
ويواجه استخدام "كلاود" في كاراكاس معارضة مباشرة لسياسات الشركة التي تحظر استخدامه في تسهيل العنف وتطوير الأسلحة وإجراء المراقبة.
وكان داريو قد أعرب سابقا عن مخاوفه من أن الأنظمة السياسية قد لا تكون ناضجة بما يكفي لاستخدام قوة الذكاء الاصطناعي في عمليات فتاكة، وهو ما يبدو أنه تحقق بالفعل في هذه العملية.
تداعيات الصدام: هل يضحي البنتاغون بـ"كلاود"؟
أدى التوتر بين المبادئ الأخلاقية للشركة والطموحات العسكرية لوزارة الدفاع الأمريكية إلى شرخ قد يكلف الكثير، فقد بدأت "أنثروبيك" في إجراء تحقيق داخلي لاستقصاء حقيقة استخدام برمجياتها في العملية، مما أثار حفيظة البنتاغون الذي يخشى من "تمرد أخلاقي" للشركة يعيق العمليات المستقبلية.
ونتيجة لذلك، يدرس المسؤولون الأمريكيون الآن بجدية احتمال إلغاء عقد بقيمة 200 مليون دولار مع "أنثروبيك"، وإعادة النظر في الشراكة الاستراتيجية بسبب القيود التي تفرضها الشركة والتي قد تعتبرها الواجهة العسكرية "عائقا" في ساحات المعارك.
ويضغط البنتاغون على شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، بما في ذلك "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك"، لتوفير أدواتها على الشبكات السرية دون القيود المعيارية التي تفرضها هذه الشركات عادة على المستخدمين.
لهذا فإن عملية اعتقال مادورو كشفت عن واقع جديد في الحروب الحديثة، حيث لم تعد الميزة العسكرية تقاس فقط بعدد الطائرات، بل بقدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على العمل داخل الشبكات السرية.
ومع ذلك، تظل الفجوة تتسع بين شركات التكنولوجيا التي تخشى "قوة النموذج" وبين جيوش تريد استغلال هذه القوة إلى أقصى حدودها، حتى لو كان ذلك على حساب المواثيق الأخلاقية "للذكاء الاصطناعي الآمن".





