السردية الوطنية.. فلسفة الصمود وحكاية الروح التي طوعت المستحيل

السردية الوطنية.. فلسفة الصمود وحكاية الروح التي طوعت المستحيل

باسم عارف الشوره 

​في زمن تكتسح فيه العولمة خصوصيات الشعوب وتسعى لتنميط الهويات ضمن قوالب رقمية باهتة، تبرز الدعوة الملكية التي أطلقها سمو ولي العهد لصياغة "السردية الوطنية" كضرورة وجودية لا تقبل التأجيل. إننا اليوم أمام معركة وعي كبرى، لا نبحث فيها عن قصص نؤثث بها المجالس، بل نفتش عن تلك الروح الأردنية التي صهرت الحجر والدم لتبني دولة من قلب المستحيل. هذه السردية هي الإجابة الحاسمة على تساؤلات الهوية، وهي الدرع الحصين للشاب الأردني في معان وإربد، وفي البادية والمخيم والريف، ليدرك أن انتماءه ليس مجرد قدر جغرافي، بل هو استمرار لملحمة تاريخية خاضها أجداده بذكاء وكرامة أمام شُح الموارد وعواصف السياسة التي لم تهدأ يوماً.
​إن ربط الجغرافيا بالحكاية هو الجوهر الحقيقي للسياحة المعرفية التي ننشدها، فالأرض الأردنية ليست مجرد مساحات صماء، بل هي سجل حي للبطولة. تبدأ الحكاية من ذيبان الشامخة، حيث نقش الملك ميشع مسلته الخالدة ليعلن أول انتصار للسيادة على هذه الأرض، وتمر بقلعة مكاور التي شهدت على الثبات والتضحية، وصولاً إلى البتراء التي لم تكن مجرد واجهة وردية بل معجزة أردنية في تطويع البيئة القاسية وإدارة الموارد بعبقرية سبقت الزمان. وفي قلعة الكرك، تنطق الحجارة البازلتية بصمود الأردنيين وتلاحمهم من شتى المنابت والمحافظات، مؤكدة أن هذه الأرض صعبة المراس، وأن إنسانها الذي شق الصخر في جبال عجلون والبلقاء وسهل حوران كان دائماً يوازن بين بندقية الدفاع ومعول البناء، وبين صلابة المقاتل ورقة الشاعر والفيلسوف في أم القيس وجدارا.
​ولكي تصل هذه الأمانة إلى "الجيل الرقمي" بعيداً عن جفاف المناهج التقليدية، لا بد من إحداث ثورة في أدوات السرد. إن رقمنة الحكاية عبر إنتاج محتوى بصري يعتمد تقنيات الواقع المعزز، كفيل بإعادة إحياء التاريخ في وجدان الشباب، بحيث يشعر الشاب وهو يقف في قصر رغدان العامر بمهابة التأسيس الهاشمي وعبقرية بناء الدولة وسط الأمواج المتلاطمة. إننا بحاجة إلى "أنسنة التاريخ" من خلال تسليط الضوء على قصص البشر خلف الحجر؛ على المزارع الأردني الأول، والجندي الذي روت دماؤه أسوار القدس، والمعلم الذي نحت العقول قبل الصخور، لتتحول الرحلات المدرسية والجامعية من نزهات عابرة إلى "رحلات استكشاف للهوية" تتبع مسارات سردية تفاعلية تربط ابن الزرقاء والمفرق والطفيلة بجذره الضارب في أعماق الأرض.
​إن السردية الأردنية هي العهد والميثاق، وهي البوصلة التي تخبر أجيالنا بأنهم ليسوا طارئين على التاريخ، بل هم صُناعه. نحن أبناء دولة بُنيت بذكاء الكرامة وإرادة العزيمة، ومهمتنا اليوم هي تسليم هذه الروح نقية وقوية، ليبقى الأردن عصياً على الاندثار، شامخاً بوعي أبنائه الذين يعرفون جيداً من هم، وإلى أين يمضون. إن الحكاية الأردنية هي قصة شعب آمن بأن المستحيل مجرد وجهة نظر، وأن الروح التي طوعت الصخر قادرة على صياغة مستقبل يضاهي عظمة الماضي وعراقة الجذور.