الذكاء الاصطناعي في الإدارة الحكومية: من خيار تقني إلى مسؤولية سياسية

الذكاء الاصطناعي في الإدارة الحكومية: من خيار تقني إلى مسؤولية سياسية
لم يعد تطوير الإدارة الحكومية في الأردن مسألة أدوات أو شعارات، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تحويل السياسات العامة إلى ممارسة يومية يلمس أثرها المواطن. وفي هذا الإطار، يبرز الذكاء الاصطناعي كأحد الملفات الجدية المطروحة على طاولة الإصلاح الإداري، ليس بوصفه حلًا سحريًا، وإنما كأداة يمكن أن تسهم في تصويب اختلالات متراكمة، إذا ما أُحسن التعامل معها ضمن إطار مؤسسي واضح. خلال السنوات الماضية، حقق الأردن تقدمًا ملحوظًا في مسار التحول الرقمي، تمثّل في إطلاق عدد من الخدمات الحكومية الإلكترونية وتوسيع نطاق الأتمتة. إلا أن هذا التقدم ظل، في جوهره، محصورًا في نقل الإجراءات القائمة من الورق إلى المنصات الرقمية، دون إعادة نظر حقيقية في منطق العمل الإداري أو آليات اتخاذ القرار. وهنا يبرز الفارق الجوهري بين الرقمنة بوصفها تحسينًا شكليًا للإجراءات، وبين الذكاء الاصطناعي كمدخل لتغيير طريقة إدارة الدولة. فالذكاء الاصطناعي لا يتعلق بالتكنولوجيا بقدر ما يتعلق بالقرار العام؛ إذ يقوم على تحليل البيانات، وقياس الأداء، والتنبؤ بالمسارات، ما يعني تقليص مساحة الاجتهاد غير المنضبط، ورفع مستوى الشفافية والمساءلة. وهو تحول يحمل أبعادًا سياسية وإدارية عميقة، لأنه يعيد ترتيب العلاقة بين صانع القرار والمؤسسة، ويضع النتائج والمؤشرات في واجهة المشهد. في الحالة الأردنية، يمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي أن تشكل مدخلًا لمعالجة ملفات إدارية حساسة، مثل كفاءة الإنفاق العام، وعدالة توزيع الخدمات، وتفاوت الأداء بين المؤسسات، إضافة إلى دعم التخطيط الاستباقي بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات. غير أن الاقتراب من هذه الملفات يتطلب استعدادًا سياسيًا واضحًا، لأن أي استخدام جاد لهذه الأدوات سيكشف مواطن الخلل، ويضع المسؤولية في إطار قابل للقياس والمساءلة. وهنا تحديدًا، يبرز دور صنّاع القرار. إن اختبار الجدية في هذا الملف يبدأ من صنّاع القرار أنفسهم، الذين يقع على عاتقهم تبنّي الذكاء الاصطناعي كأداة تطوير وإصلاح، لا كعنوان إعلامي، وربطه مباشرة بنتائج ملموسة تنعكس على كفاءة الأداء الحكومي وجودة الخدمات المقدّمة للمواطن. فغياب هذا الربط قد يحوّل الذكاء الاصطناعي إلى مشروع تقني معزول، يضاف إلى قائمة المبادرات غير المكتملة. التحديات في هذا المسار معروفة؛ من ضعف التكامل بين قواعد البيانات الحكومية، إلى محدودية القدرات الفنية في بعض المؤسسات، وصولًا إلى الحاجة لإطار تشريعي يحمي الخصوصية وينظم استخدام البيانات. غير أن هذه التحديات لا يمكن التعامل معها كذرائع للتأجيل، بل كمحددات يجب إدارتها ضمن رؤية إصلاحية شاملة. وفي هذا السياق، تكتسب التوجيهات الملكية المتعلقة بتحديث القطاع العام أهمية خاصة، باعتبارها وضعت الإصلاح الإداري في صلب الأولويات الوطنية، وربطته بمعايير الكفاءة والاستحقاق والمساءلة. غير أن ترجمة هذه التوجيهات تبقى مرهونة بقدرة السلطة التنفيذية على الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ، ومن إدارة الوقت إلى إدارة التغيير. في المحصلة، الذكاء الاصطناعي في الإدارة الحكومية الأردنية ليس ملفًا تقنيًا بحتًا، بل اختبارًا لجدية مشروع الإصلاح الإداري والسياسي. فإما أن يكون أداة لتعزيز كفاءة الدولة وبناء الثقة مع المواطن، أو يتحول إلى عنوان عصري يضاف إلى أرشيف الخطط. والفيصل في ذلك لا تصنعه التكنولوجيا، بل القرار السياسي وقدرته على الحسم.