باسم عارف الشوره
في لحظات الأزمات والظروف الحساسة يظهر معدن الوعي المجتمعي الحقيقي، فحين يسقط جسم غريب أو يظهر شيء مجهول في مكان ما، يفترض أن يسود الحذر وأن يبتعد الناس عن الموقع، وأن يُترك المجال للجهات المختصة للتعامل مع الموقف بحكمة ومسؤولية. لكن ما نشهده أحيانًا، وللأسف، هو تجمع الناس حول مصدر الخطر وكأنه مشهد عابر أو فرصة لالتقاط صورة أو تصوير مقطع سريع يوثق اللحظة، وكأن الفضول أصبح أقوى من غريزة السلامة.
إن الوقوف بجانب جسم غريب مجهول المصدر ليس شجاعة كما قد يظن البعض، بل هو مخاطرة بالأرواح في لحظة لا تحتمل المجازفة. فهذه الأجسام ليست مجرد قطع سقطت مصادفة، بل قد تكون مواد مجهولة أو مخلفات خطرة قد تحتوي على مواد مؤذية أو أجزاء غير مستقرة قد تسبب ضررًا في أي لحظة. لحظة الفضول التي تدفع الإنسان للاقتراب قد تتحول في ثوانٍ إلى حادث مؤلم لا قدر الله.
المشهد في حقيقته يعكس فجوة في الوعي أكثر مما يعكس جرأة أو شجاعة. فحين يتحول مصدر الخطر إلى مادة للفرجة أو التوثيق عبر الهواتف، فإننا نكون قد ابتعدنا عن أبسط قواعد السلامة. في مثل هذه المواقف لا تقاس الحكمة بالاقتراب، بل بالابتعاد، ولا يقاس الوعي بعدد الصور التي تُلتقط، بل بمدى احترام خطورة الحدث وترك التعامل معه للجهات المختصة.
لقد أصبح من الضروري إعادة تعريف مفهوم الحدث الخطِر في أذهاننا بعيدًا عن عدسات الهواتف وسباق النشر السريع. فحياة الإنسان أغلى بكثير من صورة عابرة أو منشور مؤقت على وسائل التواصل. والأجسام الغريبة ليست تذكارًا ولا مادة للفضول، بل قد تحمل خطرًا خفيًا لا يدركه إلا المختصون.
إن الوعي الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن سلامته وسلامة من حوله تتقدم على الفضول. والمسؤولية المجتمعية تقتضي أن يكون التصرف الصحيح في مثل هذه المواقف هو الابتعاد عن المكان وعدم التجمهر وترك المجال كاملًا للجهات المختصة التي تمتلك الخبرة والأدوات اللازمة للتعامل مع مثل هذه الحالات.
فالأمن لا تصنعه المؤسسات وحدها، بل يصنعه أيضًا وعي الناس وسلوكهم وتعاونهم مع الجهات المعنية. وبين بساطة الناس وخطورة الحدث قد يغيب الحذر أحيانًا، لكن الوعي يبقى الدرع الأول الذي يحمي المجتمع. نسأل الله السلامة للجميع، وأن يلهمنا الحكمة في التعامل مع كل ما قد يحمل خطرًا خفيًا، وأن يكون تعاوننا مع الجهات المختصة جزءًا من مسؤوليتنا تجاه أنفسنا وتجاه مجتمعنا.
-
-
المخدرات تسرق أبناءنا بصمتٍ أخطر من الرصاص2026-03-07 -
-
الأردن أولاً… ومن بعده الصمت2026-03-03 -
الأردن مش محطة عبور… ومش بطاقة موسمية2026-03-03
