بين «تحضيرات رمضان» والراحة النفسية: هل ما زال التخزين المنزلي ضرورة؟

بين «تحضيرات رمضان» والراحة النفسية: هل ما زال التخزين المنزلي ضرورة؟
قبل أسابيع من حلول شهر رمضان، تبدأ حركة غير معلنة في كثير من البيوت الأردنية. قوائم مشتريات أطول من المعتاد، أكياس خضار مكدّسة في المطابخ، أوعية بلاستيكية بأحجام مختلفة، ومجمدات تُفتح وتُغلق عشرات المرات يوميًا. مشهد يتكرر كل عام، وتحافظ عليه أمهات يعتبرن تحضيرات رمضان أكثر من مجرد تخزين طعام؛ إذ يعدّ طقسًا عائليًا يسبق الشهر الفضيل، واستعدادًا نفسيًا وعمليًا له.
تقول أم محمد، 57 عامًا، ربة منزل من عمّان:»ما بحس رمضان دخل عليّ إلا وأنا مفرزة ملوخية وبامية وليمون، ومجهزة «سمبوسك». الموضوع مش رفاهية، هذا ترتيب وقت وجهد، عشان أقدر أتفرغ للصلاة والعبادة، وما أكون طول النهار بالمطبخ». وترى أن التخزين يمنحها شعورًا بالأمان، خصوصًا في ظل تقلب الأسعار وجودة الخضار: «الواحد يشتري الحاجة بموسمها، أرخص وأطعم، بدل ما نشتريها برمضان بسعر أعلى وطعم أقل».
هذا التمسك بتحضيرات رمضان يبدو أوضح لدى الجيل الأكبر سنًا، الذي تربّى على ثقافة «المونة»  والاستعداد المسبق. فبالنسبة لكثير من الأمهات، التخزين ليس مجرد عادة، بل خبرة حياة. تقول أم لؤي، 62 عامًا، من الزرقاء:»من وأنا عروس وأنا بعمل هيك. بفرم ثوم، أجهز تتبيلات، وأحفظها ببرطمانات. لما ييجي رمضان بحس نص الشغل معمول، ولو في عزومة بطلع كل شي جاهز».
لكن في المقابل، تتراجع هذه الثقافة بشكل ملحوظ لدى الجيل الأصغر، الذي يرى في التحضيرات عبئًا إضافيًا لا ضرورة له. تقول يارا، 25 عامًا، موظفة: «صراحة ما بفهم فكرة الوقوف ساعات بالمطبخ للتفريز. اليوم كل شي متوفر جاهز، من خضار مجمدة لعصائر، حتى شوربات. أنا بقدر أشتري الحاجة وقت ما أحتاجها».
وترى شيماء، 28 عامًا، متزوجة منذ ثلاث سنوات، أن التحضيرات تحولت إلى مصدر ضغط نفسي: «بحس في سباق قبل رمضان. لو ما عملت زي غيري أحس إني مقصّرة. مع إنه أنا وزوجي بنشتغل طول اليوم، وما عندي طاقة أقضي عطلة نهاية الأسبوع كلها بالمطبخ».
وتضيف: «في صفحات أونلاين بتبيع تفريزات منزلية جاهزة، نظيفة وطعمها طيب، وأسعارها قريبة من تكلفة التفريز بالبيت. ليه أرهق نفسي؟».
بين هذين الموقفين، يقف واقع اقتصادي واجتماعي جديد يعيد طرح السؤال: هل ما زال التخزين المنزلي ضرورة فعلًا، أم أصبح عادة يمكن الاستغناء عنها؟
خبيرة التغذية رندة الخطيب ترى أن الإجابة ليست واحدة للجميع: «التخزين بحد ذاته ليس مشكلة، بل قد يكون خطوة ذكية إذا تم بطريقة صحية ونظيفة، ومع مراعاة سلامة الطعام ومدة التخزين. لكنه يصبح عبئًا إذا تحوّل إلى ضغط نفسي أو إسراف في الكميات».
وتوضح أن كثيرًا من العائلات تفرط في التخزين خوفًا من «النقص»، ثم تجد نفسها في نهاية رمضان ترمي كميات من الطعام: «هنا نكون خسرنا مالًا وجهدًا، وتحوّل الهدف من التوفير إلى هدر».
تحضيرات رمضان تحمل بعدًا ثقافيًا أكثر منه عمليًا، هي طقس جماعي يعكس قيم التنظيم والكرم والاستعداد. لكنه يصطدم اليوم بإيقاع حياة مختلف، حيث تعمل النساء، وتتقلص ساعات الفراغ، وتتغير أنماط الاستهلاك.
كما أن الصراع بين جيل الأمهات وجيل البنات في هذا الملف طبيعي. الأمهات يعتبرن التخزين رمزًا للكفاءة وحسن التدبير، بينما ترى البنات الراحة النفسية والوقت أثمن من الوقوف لساعات في المطبخ.
وبين هذا وذاك، يبدو أن الحل لا يكمن في التمسك الأعمى بالتخزين ولا في رفضه كليًا، بل في مقاربة وسطية تراعي احتياجات كل أسرة. فالبعض يكتفي بتخزين أساسيات محددة، مثل الثوم المفروم أو الشوربات، بينما يفضّل آخرون الاعتماد على الشراء اليومي أو المنتجات الجاهزة.
ويظل السؤال مفتوحًا: هل الهدف من تحضيرات رمضان هو التخفيف عن النفس فعلًا، أم أننا حوّلناها إلى عبء جديد باسم التنظيم؟
ربما آن الأوان لإعادة تعريف «الاستعداد للشهر الفضيل»، بحيث يكون أقرب إلى التوازن، وأبعد عن الضغط والمقارنة، وأكثر انسجامًا مع واقع الحياة اليوم.