لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل نحتاج إلى التكنولوجيا في التعليم؟ بل: كم تأخرنا في إدراك أن التعليم نفسه لم يعد ممكناً خارج التكنولوجيا؟
العالم لا ينتظر، والذكاء الاصطناعي لا يطرق الأبواب بل يقتحمها. وما نعيشه اليوم ليس تطوراً تقنياً عابراً، بل انقلاب جذري في مفهوم المعرفة، وطريقة إنتاجها، وأدوات نقلها، ومعايير قياسها. في قلب هذا التحول، يقف التعليم إما بوصفه محركاً للتقدم، أو عبئاً يكرّس التخلف.
في الأردن، ما زال قطاع التعليم يُدار بعقلية الفصل بين المسارين: التعليم من جهة، والتكنولوجيا من جهة أخرى، وكأننا نتحدث عن عالمين منفصلين لا رابط بينهما. تُضاف التكنولوجيا غالباً بوصفها «مادة» أو «مختبراً» أو «مبادرة»، لا بوصفها بنية حاكمة للنظام التعليمي كله. هنا تكمن المشكلة الجوهرية.
وهنا لا بد من الإيضاح بأن التوأمة الحقيقية بين التعليم والتكنولوجيا لا تعني تعليم الطلبة كيف يستخدمون الحاسوب، ولا إدخال حصص برمجة محدودة، بل تعني إعادة تعريف العملية التعليمية من الأساس. كيف نتعلم؟ لماذا؟ وبأي أدوات؟ وكيف نقيس الفهم في عصر تستطيع فيه الخوارزمية أن تجيب عن أي سؤال خلال ثوانٍ؟
وربما يفرض النموذج الإماراتي نفسه في هذا المقام ليقدم لنا درساً لا يمكن تجاهله. ليس فقط لأن280 ألف طالب يتلقون اليوم تعليماً في الذكاء الاصطناعي، ولا لأن المعلمين يخضعون لتدريب منهجي على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في التقييم، والتخطيط، وإدارة الصف، بل لأن الفكرة نفسها انطلقت من قرار سياسي وتعليمي واعٍ بأن المستقبل لا يُدار بأدوات الماضي.
حتى اسم الوزارة: وزارة التعليم العام والتكنولوجيا المتقدمة، ليس تفصيلاً شكلياً. هو اعتراف مؤسسي بأن التعليم والتكنولوجيا كيان واحد، وأن الفصل بينهما وهم إداري لا ينسجم مع واقع العصر.
في المقابل، يواجه التعليم العام الأردني اليوم تحديات متراكمة: فجوة متزايدة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، ضعف في مهارات التفكير النقدي والتحليلي، نماذج تقييم تقليدية، ومعلم مُنهك إدارياً أكثر منه قائداً معرفياً، وهو ما يتطلب صحة تكنولوجية تقاد بعقلية التغيير لخدمة الطالب والمعلم والمؤسسة التعليمية وسوق العمل معاً.
هذه ثورة تعليمية واسعة يراد لها عقول متكاتفة، مؤمنة بأهمية الموضوع على أساس الواجب وليس أداء المهمة، كما أن الثورة التعليمية المطلوبة في الأردن لا يمكن أن يقودها خبير تكنولوجيا وحده، ولا تربوي تقليدي مهما بلغت خبرته. نحن بحاجة إلى قيادة هجينة تفهم التعليم بعمقه الإنساني، والتكنولوجيا بقدرتها التحويلية.
التوأمة هنا ليست شعاراً، بل منظومة متكاملة، ومن دونها سنبقى ندرّس أبناءنا للماضي، بينما يُطلب منهم العيش في المستقبل.
-
إسرائيل ومزيد من التصعيد2026-01-22 -
-
على الراس قرارك سيدنا !!2026-01-20 -
-
