بين حدّ الدقيق وزئير أبو اللسن: الأردن يقرأ تاريخه بمداد الفخر والسيادة

بين حدّ الدقيق وزئير أبو اللسن: الأردن يقرأ تاريخه بمداد الفخر والسيادة

​باسم عارف الشوره 

​في مشهدٍ مهيب يمزج بين عبق التاريخ وتطلعات المستقبل، أعاد صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، رسم ملامح البطولة الأردنية في ذاكرة الجيل الجديد، مستحضراً ملاحم تاريخية لم تكن مجرد اشتباكات عسكرية، بل كانت صياغةً للهوية الوطنية بالدم والعزيمة. إن استشهاد سموه بمعركة "حد الدقيق" في الطفيلة، ووقوفه على إرث "أبو اللسن" و**"وادي موسى"**، يبعث برسالة واضحة مفادها أن هذا الوطن لم يقم من فراغ، بل هو نتاج تضحياتٍ جسام سطرها الأجداد بفروسية قل نظيرها في تاريخ الأمة.
​لقد كانت رمال "أبو اللسن" في معان شاهدةً على الانعطافة الكبرى في تاريخ العرب، حين انطلقت صرخات النخوة من حناجر قبائل الحويطات وأحرار العرب بقيادة الهاشميين، ليحطموا بصدورهم العارية زحف الجيوش المنظمة، محولين رمال الصحراء إلى لهيبٍ ابتلع أطماع الغزاة وفتح البوابة الكبرى نحو فجر الاستقلال العربي. ولم تكن هذه البطولات بعيدةً عن جبال الطفيلة الشماء، حيث دارت رحى معركة "حد الدقيق"، تلك الملحمة التي تفتتت فيها أوهام المعتدين كما يُطحن الدقيق تحت صمود رجالات الأردن الذين اتخذوا من تضاريسهم حصوناً ومن إيمانهم دروعاً، ليثبتوا للعالم أن الأرض الأردنية عصيّة على الانكسار، وأن من يطأ ترابها طامعاً لن يحصد سوى الخيبة والندم.
​وبذات الروح الوثابة، برزت ملحمة "وادي موسى" لتكون الصخرة الوردية التي تحطمت عليها هيبة القوى الغازية، حيث استبسل أبناء المنطقة في حماية "السيق" ومحيط البترا، محولين الممرات الجبلية إلى مقابر للمعتدين في واحدة من أذكى المعارك الدفاعية التي شهدتها الثورة العربية الكبرى. إن هذا الترابط العضوي بين القيادة الهاشمية والقواعد الشعبية والقبائل الأردنية، هو السر الكامن خلف بقاء الأردن سداً منيعاً وقوةً لا يستهان بها في المنطقة.
​إن هذه الملاحم التي يحرص ولي العهد على استحضارها اليوم، تشكل الدستور الأخلاقي والقومي لكل أردني، وهي تأكيد على أن سيادة الأردن وأمنه اليوم هما امتداد لتلك البنادق التي لم تخطئ أهدافها في وادي موسى والطفيلة ومعان. إننا اليوم ونحن نمضي خلف قيادتنا الهاشمية، نستلهم من "حد الدقيق" و"أبو اللسن" دروساً في الثبات والولاء، ونؤكد للعالم أجمع أن من صنعوا المجد في تلك الميادين، تركوا خلفهم أحفاداً يحملون ذات البأس وذات العزيمة، ليظل الأردن دائماً وأبداً، واحة أمنٍ وعرين أسود لا تضام.