تخطيء ، لا بل ترتكِب الحكومات الأردنية خطيئة ، اذا اعتقدت ، ولو للحظة ، بان عبور الوطن مرحلة ما سُمي بالربيع العربي بسلام ، وأمان ، وإنضباط ، نتيجة لذكاء في السياسات التي إتُبعت ، او حصافة فيمن يديرون شؤون الوطن ، او نتيجة لقبضةٍ أمنية مُحمكة ، أبداً . الفضل يعود لوعي المواطن الأردني ، وحرصه على وطنه ، وإنتمائه اليه ، وعقلانيته ، وسِعة صدره في مكابدة حياته القاسية ، الناتجة عن فشل كل الحكومات في ادارة شؤون الوطن . ولتأكيد صِحة ذلك لابد من توصيف الظروف التي أدت الى ما سُمي بالربيع العربي . سبب الربيع العربي هو (( سياسة الفوضى الخلاقة )) التي طبقتها امريكا على يدي كونداليزا رايس ، وسبب نجاح هذه السياسة انها تصادفت مع هوى شعوب المنطقة التي تعيش اوضاعاً مأساوية على كل المستويات الحياتية ، وكانت تَهِمُّ بالإنقضاض على أنظمتها الفاسدة رفضاً لواقعها السيء . وللعلم الشعب الأردني ليس أحسن حالاً منها . لذلك علينا ان نُقدِّر إنتماء شعبنا وحرصه على وطنه .
ومما يؤكد الفشل في ادارة شؤون الوطن ، ان المواطن المظلوم ، يرفع شكواه لملك البلاد ، مستنجداً طالباً إنصافه . والسبب في ذلك غياب العدالة . كما ان هناك دليلاً آخر على الفشل في ادارة شؤون الوطن ، ان الكلَّ يختبيء خلف الملك ، من رئيس الوزراء ، الى أصغر مدير وللتدليل على ذلك تجدهم يكررون بين الجملة والثانية : (( توجيهات سيدنا )) . وكأن الملك من واجبه ان يعرف عن كل اجراء كيف يتم ، وعن كل معاملة كيف تُنجَز ، وعن كل مريض ماذا يحتاج لمعالجته .
ولِما آلت اليه امور الوطن من انحدار ، وددت ان أَتوجه برسالة لجلالة الملك ، ليس لغاية شخصية مُطلقاً ، وإنما لإنقاذ الوطن والمواطن ، علّه يخفف عن المواطن الذي إستُعبِد ، وقُهر ، وأفتُقِر ، والدليل على ذلك شواهد كثيرة ، اذكر منها :— ١)) إختفاء الطبقة الوسطى ، التي هي مؤشر على صحة الوطن والمواطن اقتصادياً واجتماعياً . حيث كانت تشكل ٩٢٪ وانخفضت الان الى ٢٠٪ . ٢ )) ارتفاع عدد حالات الانتحار بطريقة غير مسبوقة ، حتى وصلت الى ١٥٢ حالة سنوياً ، وبزيادة سنوية تصل الى ٢٨ ٪ ، هذا عدا عن الذين اقدموا عليه وانقذتهم الشرطة . وهي تؤكد على وجود اختلالات مجتمعية عديدة وصعبة لدرجة انها تدفع الانسان الى الإحباط واليأس من الحياة ، وفقدان الأمل بوجود حلول ، مما يدفعه الى التضحية بنفسه للخلاص . ٣)) ارتفاع نسبة العنوسة لدرجة خطيرة حيث وصلت الى ٤٢٪ . ٤)) عزوف الشباب عن الزواج حتى اصبح معدل سن الزواج للشباب ٣١ سنة ، و٢٧ سنة للفتيات . ٥)) ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب الى ٥٠٪ و ٢٥٪ كنسبة عامة .
٦)) اما نِسبُ الطلاق فقد وصلت الى ٢٥,٤٪ ، ففي عام ٢٠٢٠ سُجل ٦٧٣٨٩ عقد زواج ، و ١٧١٤٤ حالة طلاق . ٧)) اما الفقراء فانهم يُشكلون ثُلث الشعب الاردني ٣٣٪ . ٨)) وأحد اهم اسباب كل المصائب ارتفاع الاسعار الذي وصل الى ١٠٢,٩٢ ٪ خلال العامين ٢٠١٠- ٢٠٢١ . ٩)) أما المديونية فما كُشف منها انها تجاوزت ال ٤٤ مليار دولار ، وتشكل ما نسبته ١١٢٪ من الدخل الوطني الاجمالي . ١٠ )) إرتفاع نسبة الاتجار وتعاطي المخدرات لدرجة خطيرة تهدد الامن والسِلم المجتمعي ، شاكرين ( لنوائبنا ) انهم وافقوا على اجازة تشريع يعفى المتعاطي للمرة الاولى من العقوبة ، وكأنهم لا يعرفون ان معظم انواع المخدرات يُدمِن من يتعاطاها من المرة الأولى ، وقد بلغت جرائم المخدرات ٢٠,٠٥٠ قضية سنوياً . ١١ )) أما ارتفاع نسب الجرائم بمختلف انواعها فقد وصل الى معدلات غير مسبوقة ينذر بخطر كبير وشرٍ مستطير . ١٢)) والمخجل اكثر مما سبق ارتفاع نسبة من يبحثون عن فُتات طعام أصابته العفونة والعطب في حاويات القمامة ، والطبقة الارقى منهم من يجمعون العُلب الفارغة والكرتون من تلك الحاويات لسد الرمق بعد التنازل عن كل ما له صلة بكرامة الاردني وأنفتهِ وكبريائه . ١٣ )) ونسبة الخصوبة تصل الى ٢,٧٦ ٪ . ١٤ )) بينما نسبة النمو في الاقتصاد ١,٦ ٪ . ١٥ )) ترنُّح القطاع الخاص ، المُشغِّل للايدي العاملة من قبل كورونا ، ومع كورونا اصبح في حالة إغماء . ١٦ )) أما القروض وديون الافراد ، فهذه قصة أخرى ، فكل المجتمع الاردني مديون ، وبيت كل اردني مرهون . وهذا ذكرني بقصة حدثت مع صديقي الاستاذ / عوني شعث ، قبل أقل من عقدين من الزمن ، حيث تصادف مرور احد الوزراء السابقين النبلاء المرحوم / كامل ابو جابر ، بسيارته لحظت عبور احد أبناء صديقي من ذات الشارع ، فصدم الطفل صدمة خفيفة ، فنزل ابو جابر بكل لطفه ، وتهذيبه ، معتذراً ، ومتأسفاً ، ومُصراً على ضرورة أخذ الطفل الى المستشفى للاطمئنان عليه ، فرد عليه صديقي عوني ، بكل تسامحه الكركي ، ولباقته ، وكرمه ، وتميُزِ طُرفته : لا تهتم معاليك ، ما صار شيء ، ولا تقلق ، الحمد لله ما صار شيء ، والا ما كانت المشكلة معي ، ستكون المشكلة مع البنك ، لان إبني مرهون للبنك معاليك .
لا أدري هل الارقام اعلاه تُفرِح ، أم تفضح !؟ وتكشف ضياع الوطن وامتهان المواطن !؟ مشكلة الوطن يا سيد البلاد تكمن في ثلاثة جُمل هي :- (( كل شي تمام سيدي / وحاضر سيدي / توجيهات سيدنا )) . يا سيد البلاد ، لقد بدأ يتسلل الى قناعات الناس تساؤلاً خطيراً ، حيث يقولون : (( ما قيمة الوطن ، ولماذا الانتماء اليه اذا لم يوفر حياةً كريمة للمواطن )) !؟
وجعي ، من اوجاع وطني وابناء جِلدتي ، الذين يكابدون الحياة ، للبحث عن لقمة ولو مغموسة بشيء من كرامة وكبرياء . في الوقت الذي يمتلك فيه ٩٣٠ أردنياً ، ٢٠ مليار دولار . كل ما ذُكر هو نتاج استشراء الفساد بكافة أشكاله . أما الفُجر الذي وصل حدّ العُهر ، والسقوط القيمي والاخلاقي فقد وصلنا فيه أرقاماً متقدمة ، تخطينا فيها العديد من دول العالم التي كُنّا نتهمها بالإنفلات ، وحياة الغاب .
ما ذُكر اعلاه ، يُنبيء بانفجارات داخل المجتمع الاردني . يا ابو حسين ، والله طسنا البين ، واصبحنا حيرانين ، بائسين ، مكتئبين . انقذ وطنك وأهلك ، فالجوع كافر ، والفقر قهر ، وإياكم وثورة الجياع التي تُطل برأسها ، والسبب الوحيد لتأخرها ما تبقى من حرص على الوطن . لكنها اذا أطلت فلن تُبقي ولن تذر . يا ابو حسين طسنا البين ، فاذا تمكن منّا ، فلا لك ولا لنا ، ولن نكون في مأمن وطناً ومواطنين . يا سيد البلاد كل شيء في إنحدار ، الا الفساد في إزدهار !؟