واقع التنافس العالمي في تقنيات المستقبل
يحتدم سباق التسلح التقني بين عمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة والصين، حيث تواصل الشركات هناك طرح نماذج ذكاء اصطناعي متطورة بوتيرة متسارعة، بينما تجد الشركات الأوروبية نفسها في موقع المتفرج، وسط تساؤلات ملحة عن أسباب هذا التراجع الذي جعل القارة العجوز خارج دائرة المنافسة الفعلية.
وكشفت تقارير حديثة أن الشركات الأوروبية، رغم محاولات بعضها مثل ميسترال الفرنسية اعتماد نهج النماذج مفتوحة الوزن، فشلت في حجز مقعد لها بين الكبار أو كسب ثقة المستخدمين على نطاق واسع، وهو ما يضع القارة أمام تحديات هيكلية تهدد سيادتها الرقمية وتبقيها رهينة للمنتجات الأمريكية والصينية.
فجوة التبني والطلب في السوق
وأظهرت دراسة صادرة عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية انخفاضا لافتا في معدلات تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الأوروبية مقارنة بنظيراتها الأمريكية، حيث يستخدم نحو 43 بالمئة من العاملين في الولايات المتحدة هذه الأدوات في وظائفهم اليومية، مقابل 32 بالمئة فقط في أوروبا، مع تباين أكبر في قطاع الصناعات والخدمات.
واوضح الخبراء أن هذا التفاوت يعكس اتجاها عاما لدى الشركات الأوروبية التي تتردد في ضخ استثمارات ضخمة لدمج الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بضعف الإقبال من العملاء مقارنة بالسوق الأمريكي الذي يركز فيه المطورون على تلبية احتياجات الشركات الكبرى لضمان استدامة التمويل.
وهم التفوق السريع
وبينت الأحداث الأخيرة أن نجاح نموذج ديب سيك الصيني في تقديم تقنيات بتكلفة منخفضة خلق حالة من الوهم لدى الشركات الأوروبية بإمكانية اللحاق بالركب دون الحاجة لمليارات الدولارات، إلا أن الواقع أثبت أن التحدي لا يكمن في إطلاق النموذج الأول، بل في القدرة على التحديث المستمر وابتكار استخدامات عملية، وهو ما تفتقر إليه الشركات الأوروبية حاليا.
معوقات التمويل والبنية التحتية
وشدد محللون على أن نقص التمويل يمثل العائق الأكبر، حيث تكتفي الشركات الأوروبية بجمع مبالغ زهيدة مقارنة بمئات المليارات التي تحصل عليها الشركات الأمريكية، بالإضافة إلى ضعف البنية التحتية للحوسبة ونقص مراكز البيانات التي تعد العصب الحقيقي لتشغيل النماذج الضخمة، فضلا عن التحديات المرتبطة بالطاقة وتكاليف التبريد.
نزيف العقول والحلول الممكنة
واكد تقرير يورو نيوز أن نزيف العقول الأوروبية نحو الخارج مستمر، حيث ينجذب المهندسون للرواتب المرتفعة في أمريكا والخليج، مما يفرغ السوق الأوروبي من الكفاءات اللازمة للابتكار.
واختتم الخبير الاقتصادي فيليب اغيون موضحا أن فرصة أوروبا لا تكمن في محاكاة النماذج اللغوية الأمريكية، بل في التخصص بقطاعات تبرع فيها القارة مثل الصحة، والسيادة الرقمية، وإدارة المصانع، حيث يمكن لأوروبا أن تبني مسارا خاصا بها بعيدا عن السباق المحموم في مجالات قد لا تكون هي الأولوية الحقيقية للصناعة الأوروبية.





