خلال الفترة الأخيرة، تصاعدت عالميًا نبرة الحديث عن الذكاء الاصطناعي من كونه تقنية ستغير العالم إلى تقنية قد تأخذ وظائفنا، ثم قد تخرج عن السيطرة، وصولًا إلى سيناريوهات تتحدث عن احتمال تدمير البشرية. لكن قبل أن نتعامل مع هذه العناوين باعتبارها حقائق، ربما علينا أن نتوقف قليلًا ونعود إلى الأرقام.
إذا كان المقصود أن الذكاء الاصطناعي لم يحقق كل الوعود التي أطلقتها شركات التكنولوجيا والمستثمرون، فهناك بالفعل فجوة واضحة بين حجم الضجيج وحجم القيمة الاقتصادية المتحققة حتى الآن. أما القول إن الذكاء الاصطناعي نفسه فشل، فالأرقام لا تدعم ذلك. فقد ارتفع الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي عالميًا بنسبة 127.5% خلال 2025، وتجاوز الاستثمار الخاص في الولايات المتحدة وحدها 285.9 مليار دولار، بينما نما تمويل الذكاء الاصطناعي التوليدي بأكثر من 200%.
المفارقة أن تدفق الأموال بهذه السرعة لا يعني بالضرورة أن العوائد الاقتصادية تتحرك بالسرعة نفسها. فقد أظهرت بيانات McKinsey أن أكثر من 80% من الشركات لم تكن ترى أثرًا ملموسًا للذكاء الاصطناعي التوليدي على أرباحها التشغيلية الإجمالية، بينما قالت نسبة محدودة فقط إن AI ساهم بشكل ملموس في أرباحها. وهذا يضعنا أمام سؤال مهم: هل المشكلة في التكنولوجيا، أم في حجم التوقعات التي بُنيت حولها؟
وهنا يجب أن نفرق بين الذكاء الاصطناعي كتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كاستثمار. من الممكن جدًا أن تكون التكنولوجيا ثورية، وفي الوقت نفسه تكون بعض التقييمات والتوقعات المالية المحيطة بها مبالغًا فيها. التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على ذلك؛ فالإنترنت لم يكن تقنية فاشلة لأن فقاعة الـ Dot-com انفجرت. التكنولوجيا قد تكون حقيقية، بينما تكون التوقعات الاقتصادية حولها غير واقعية.
أما الحديث عن «تدمير البشرية»، فهو يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة. نعم، هناك علماء وباحثون وقادة في شركات التكنولوجيا يحذرون من مخاطر طويلة المدى، وهذه المخاوف تستحق الدراسة. لكن هناك فرق كبير بين القول إن هناك سيناريوهات خطرة يجب الاستعداد لها وبين القول إن الذكاء الاصطناعي سيدمر البشرية. حتى في النقاش العلمي لا يوجد إجماع يحدد احتمالًا أو توقيتًا لسيناريو انقراض البشر بسبب AI. وفي المقابل، هناك مخاطر حقيقية نعيشها اليوم، مثل التضليل، والهجمات السيبرانية، وانتهاك الخصوصية، والتحيز، وسوء استخدام الأنظمة.
والأهم أن الذكاء الاصطناعي أثبت بالفعل قدرته على زيادة الإنتاجية. دراسة لـ NBER شملت أكثر من 5,000 موظف في خدمة العملاء وجدت أن استخدام مساعد مبني على الذكاء الاصطناعي رفع الإنتاجية في المتوسط بنحو 14%، ووصل التحسن إلى نحو 35% لدى الموظفين الأقل خبرة. هذه الأرقام لا تشير إلى تقنية فاشلة، بل إلى أداة يمكن أن تضاعف قدرات الإنسان عندما تُستخدم بالشكل الصحيح.
حتى الحديث عن الوظائف يحتاج إلى قراءة أكثر هدوءًا. صندوق النقد الدولي يقدر أن نحو 40% من الوظائف عالميًا معرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي، لكن «التأثر» لا يعني بالضرورة «الاختفاء». في كثير من الحالات قد يتغير جزء من مهام الوظيفة بدلًا من اختفاء الوظيفة نفسها. وربما يكون السؤال الحقيقي ليس: هل سيأخذ AI وظائفنا؟ بل: هل سيتعلم الإنسان استخدام AI ليصبح أكثر إنتاجية من الإنسان الذي لا يستخدمه؟
أما لماذا أصبحت رواية «الذكاء الاصطناعي سيدمر العالم» منتشرة بهذا الشكل، فهناك تفسير بسيط لا يحتاج إلى نظرية مؤامرة: الخوف يجذب الانتباه، والانتباه له قيمة اقتصادية. العناوين المخيفة تولد مشاهدات ونقاشات وتغطية إعلامية، بينما يؤدي ذلك بدوره إلى زيادة الاهتمام والاستثمار. ومع صناعة تنفق مئات المليارات على مراكز البيانات والرقائق والطاقة والنماذج، يصبح المستقبل نفسه جزءًا من عملية التسويق والاستثمار.
لذلك، لا أرى الذكاء الاصطناعي ملاكًا سينقذ البشرية، ولا شيطانًا سيدمرها. أراه تكنولوجيا حقيقية وثورية، لكن تحيط بها أيضًا توقعات استثمارية وإعلامية ضخمة قد لا تتحقق كلها. ومن الخطأ أن نقول إن AI فشل، كما أنه من الخطأ أن نتعامل مع كل وعد حوله باعتباره حقيقة.
نحن بحاجة إلى أن نقيس الإنتاجية بدلًا من الضجيج، والأرباح بدلًا من التقييمات، والنتائج بدلًا من الوعود. وأن نتعامل مع المخاطر بجدية دون تحويل السيناريوهات المحتملة إلى نبوءات مؤكدة.
فالذكاء الاصطناعي لن يدمر العالم لمجرد أن النماذج أصبحت أكثر قدرة. وربما يكون الخطر الأكبر ليس أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان، بل أن يتوقف الإنسان عن التفكير النقدي ويصدق كل ما يُقال له عن الآلة.
* المصادر: Stanford AI Index 2026، IMF، NBER، McKinsey، Reuters.





