جذور التصدع في القطاع المصرفي اللبناني
تجسدت مأساة النظام المصرفي اللبناني في مشاهد درامية اقتحم فيها مودعون غاضبون فروع المصارف لاسترداد مدخراتهم المحتجزة، وهي حوادث لم تكن وليدة الصدفة بل كانت نتاجا طبيعيا لانهيار تراكم على مدى عقود. بدأت الحكاية مع تولي رياض سلامة حاكمية مصرف لبنان في تسعينيات القرن الماضي، حيث اعتمدت السياسة النقدية على نموذج مالي هش يرتكز بشكل أساسي على جذب ودائع المغتربين وتحويلاتهم، مستغلة اسعار الفائدة المرتفعة وتثبيت سعر صرف الليرة لتعزيز تدفقات الدولار.
الهندسة المالية وسياسة تأجيل الانفجار
واوضح الخبراء ان هذا النموذج اعتمد على ربط وثيق بين المصارف ومصرف لبنان والدولة، حيث استُخدمت الودائع لتمويل عجز الموازنة العامة والحفاظ على استقرار العملة. واضاف هؤلاء ان عمليات الهندسة المالية التي جرت في عام 2016 كانت محاولة يائسة لتعزيز الاحتياطيات النقدية، الا انها في الواقع عمقت انكشاف المصارف على ديون الدولة، مما حول اموال المودعين الى رهينة لسياسات نقدية غير مستدامة.
تأثير التحولات الاقليمية والانهيار الكبير
وبينت التقارير ان الازمة تفاقمت مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وما تبعها من عقوبات دولية، حيث تحول لبنان الى قناة حيوية لتدفق العملة الصعبة والسلع الى سوريا، مما استنزف السيولة من السوق المحلية. واكد محللون ان عام 2019 شكل نقطة التحول الكبرى، حيث جفت منابع التدفقات الخارجية وانفجرت الاحتجاجات الشعبية، لتبدأ المصارف بعدها بفرض قيود قاسية على السحوبات، مما ادى الى تبخر القيمة الفعلية لمدخرات المودعين الذين وجدوا انفسهم في مواجهة مباشرة مع ضياع حقوقهم المالية.
تعثر الدولة ومصير المودعين
وذكرت مصادر اقتصادية ان اعلان الحكومة اللبنانية التوقف عن سداد سندات اليوروبوند في عام 2020 كان بمثابة الضربة القاضية التي ادخلت البلاد في اول تعثر سيادي في تاريخها. واضافت ان خطط التعافي التي طرحت حينها اصطدمت بصراعات سياسية حول توزيع الخسائر، مما ابقى المودعين في خانة الخاسر الاكبر في هذه الازمة التي وصفها البنك الدولي بأنها من بين الاسوأ عالميا منذ قرون.
نهاية حقبة سلامة واستمرار الازمة
وكشفت التطورات القضائية اللاحقة ان رحيل حاكم مصرف لبنان السابق لم ينهِ الازمة، بل فتح الباب امام سلسلة من الملاحقات بتهم الاختلاس والتزوير والاثراء غير المشروع. واشار مراقبون الى ان اختزال الانهيار في شخص واحد يعد قراءة قاصرة، فالواقع يشير الى منظومة كاملة من السياسات والشبكات التي تكاتفت لبناء نموذج مالي اعتمد على الاستدانة، وبقي المودع اللبناني اليوم يواجه واقعا مريرا حيث تلاشت قيمة امواله في حسابات مصرفية لم تعد توفر له ابسط حقوقه المالية.





