التوجيهي يحدد المعدل .. فمن يحدد المستقبل؟

التوجيهي يحدد المعدل .. فمن يحدد المستقبل؟

في الأردن، لا تنتهي رحلة الطالب بإعلان نتائج الثانوية العامة، بل تبدأ بعدها حيرة أكثر تعقيدًا: ماذا سأدرس؟ وأي تخصص يمكن أن يمنحني فرصة حقيقية في المستقبل؟ سؤال يبدو شخصيًا، لكنه في الحقيقة يعكس أزمة أوسع تتداخل فيها رغبات الطلبة مع توقعات الأسر، ونظرة المجتمع، وسياسات الجامعات، واحتياجات سوق العمل المتغيرة.

المفارقة أن الطالب الذي أمضى سنواته في سباق للحصول على أعلى معدل، يجد نفسه بعد النجاح أمام قرار قد يرسم جزءًا كبيرًا من مستقبله، من دون أن يمتلك بالضرورة المعلومات الكافية لاتخاذه. فالمعدل يحدد إلى حد بعيد ما يستطيع دخوله، لكن المجتمع كثيرًا ما يحدد له ما «ينبغي» أن يدخله. وهكذا تصبح تخصصات مثل الطب والهندسة والصيدلة، وغيرها من التخصصات ذات المكانة الاجتماعية، خيارات مفضلة حتى عندما لا تتوافق مع ميول الطالب أو مع طبيعة الفرص المتاحة في السوق.

المشكلة أن سوق العمل لا يعترف دائمًا بهذه الحسابات الاجتماعية. فالأردن يعاني من معدلات بطالة مرتفعة، وتزداد المفارقة بين الشباب من حملة الشهادات الجامعية؛ إذ تشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن البطالة بين حملة البكالوريوس فأعلى بلغت 25.8% عام 2024. وهذا لا يعني أن التعليم الجامعي غير ذي قيمة، لكنه يؤكد أن الشهادة وحدها لم تعد ضمانة للحصول على وظيفة.

في المقابل، تتغير احتياجات سوق العمل بسرعة أكبر من قدرة كثير من الطلبة والأسر على مواكبتها. الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا المالية، والطاقة المتجددة، والمركبات الكهربائية، وسلاسل الإمداد الرقمية، وغيرها من المجالات، تفرض مهارات جديدة وتعيد تشكيل وظائف كانت تبدو مستقرة قبل سنوات قليلة.

وتحاول الجامعات الأردنية الاستجابة لهذا التحول من خلال استحداث تخصصات وبرامج حديثة مرتبطة بالاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا والطاقة والمجالات التطبيقية. وهي خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها. فالمشكلة ليست في اسم التخصص بقدر ما هي في نوعية التعليم الذي يقدمه، ومدى ارتباطه بالتطبيق العملي، وقدرة الطالب على اكتساب مهارات حقيقية يستطيع استخدامها بعد التخرج.

وهنا تظهر مفارقة أخرى: قد يكون التخصص «مطلوبًا» في السوق، لكن ذلك لا يعني أن كل خريجيه سيكونون مطلوبين. فالسوق لا يبحث عن شهادة مكتوب عليها «ذكاء اصطناعي» أو «علم بيانات» بقدر ما يبحث عن شخص قادر على التفكير والتحليل وحل المشكلات واستخدام الأدوات الحديثة والعمل ضمن فريق والتعلم المستمر. لذلك، فإن الفارق الحقيقي في السنوات المقبلة لن يكون بين خريج تخصص قديم وخريج تخصص جديد فقط، بل بين خريج يمتلك مهارات قابلة للتطور وخريج يملك شهادة جامعية فحسب.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تحميل الطالب وحده مسؤولية الاختيار الخاطئ. فكيف يمكن لشاب في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة أن يعرف أي الوظائف ستختفي، وأيها ستظهر، وأي المهارات ستكون مطلوبة بعد أربع سنوات؟ هنا تقع مسؤولية المدرسة والجامعة والأسرة والدولة. فالطالب لا يحتاج إلى قائمة بالتخصصات «المطلوبة» بقدر حاجته إلى إرشاد مهني حقيقي يخبره عن طبيعة كل تخصص، وفرصه، وتحدياته، والمهارات التي يحتاج إليها، وإمكانات العمل المرتبطة به داخل الأردن وخارجه.

وفي هذا السياق، تكتسب التوجيهات الملكية المتعلقة بالشباب والتعليم والاقتصاد المعرفي وتمكين الإنسان أهميتها؛ فالرؤية الملكية لم تتعامل مع الشباب بوصفهم مجرد طالبي وظائف، وإنما باعتبارهم طاقة وطنية ينبغي تمكينها بالمعرفة والمهارات والقدرة على المبادرة والابتكار والمنافسة. وهذه الرؤية تضع قضية اختيار التخصص الجامعي في إطار أوسع من مجرد القبول في جامعة أو الحصول على شهادة؛ إنها تتصل ببناء جيل يمتلك الأدوات التي تمكنه من التعامل مع اقتصاد يتغير باستمرار.

ومن هنا، فإن ترجمة التوجيهات الملكية إلى واقع تعليمي ومهني تتطلب أن يصبح تمكين الشباب جزءًا من رحلة الطالب منذ المدرسة، عبر تطوير الإرشاد المهني، وتعزيز المهارات الرقمية واللغات، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد، وتشجيع الريادة والعمل الحر، وإتاحة مسارات تعليمية وتدريبية مرنة لا تجعل الوظيفة الحكومية هي النموذج الوحيد للنجاح.

كما أن المجتمع بحاجة إلى مراجعة نظرته إلى التعليم المهني والتقني. فمن غير المنطقي أن نشكو من البطالة الجامعية، ثم ننظر إلى المسارات التطبيقية باعتبارها خيارًا أقل قيمة. الاقتصاد الحديث يحتاج إلى الطبيب والمهندس، لكنه يحتاج أيضًا إلى الفني المتخصص، ومبرمج التطبيقات، وفني الطاقة الشمسية، ومختص صيانة المركبات الكهربائية، والمختص اللوجستي، والمبرمج، والمحلل، وغيرهم. قيمة الإنسان المهنية لا ينبغي أن تقاس باسم الشهادة، بل بما يستطيع أن يقدمه من معرفة ومهارة وإنتاج.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه الطالب بعد التوجيهي ليس: «ما التخصص الذي يضمن لي وظيفة؟»، لأنه لا يوجد تخصص يملك هذا الضمان، وإنما: «ما المجال الذي يتناسب مع قدراتي وميولي، ويمنحني في الوقت نفسه مهارات يحتاجها المستقبل؟».

إن اختيار التخصص الجامعي في الأردن لم يعد قرارًا بين الطب والهندسة والصيدلة وإدارة الأعمال وغيرها من الأسماء المعروفة، بل أصبح اختبارًا لقدرة الطالب والأسرة والمؤسسات التعليمية على قراءة المستقبل. فالنجاح الحقيقي لا يبدأ بالحصول على معدل مرتفع فقط، وإنما بالقدرة على تحويل هذا المعدل إلى قرار واعٍ.

وإذا كان التوجيهي قد علّم الطالب كيف ينجح في امتحان، فإن المرحلة التي تليه يجب أن تعلمه كيف يختار حياته المهنية. وهذا هو جوهر فكرة الشباب الممكن: شاب لا ينتظر أن يصنع له الآخرون مستقبله، بل يمتلك المعرفة والمهارة والثقة والقدرة على المبادرة، ويستطيع أن ينتقل من موقع الباحث عن فرصة إلى موقع القادر على صناعة الفرصة.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا، كأسر ومدارس وجامعات وصناع قرار، ليس فقط: «ما التخصص الذي سيدخله أبناؤنا؟»، بل السؤال الأعمق: «أي جيل نريد أن نُخرج إلى المستقبل؟». فإذا نجحنا في الإجابة عن هذا السؤال، سيصبح اختيار التخصص نتيجة طبيعية لمشروع وطني أوسع لبناء الإنسان، لا قرارًا فرديًا مرتبكًا يتخذه الطالب تحت ضغط المعدل والمجتمع والخوف من البطالة.