التوجيهي فيلم رعب لا ينتهي! .. إلى متى سنختصر أبناءنا في رقم؟

التوجيهي فيلم رعب لا ينتهي! .. إلى متى سنختصر أبناءنا في رقم؟

مع اقتراب إعلان نتائج التوجيهي، تتغير ملامح البيوت الأردنية. الهواتف لا تفارق الأيدي، والأمهات يراقبن الأخبار، والآباء يحاولون التظاهر بالهدوء، والطالب يعيش على أعصابه، وكأن مستقبله كله مختبئ خلف شاشة الهاتف!

في هذه الأيام، لا ينتظر الطالب نتيجته وحده، "الدار كلها في حالة طوارئ!"
الأم تسأل: "متى النتائج؟"، والأب يفتح الأخبار كل خمس دقائق، والخال عنده "مصدر موثوق"، والعم يعرف واحدا في الوزارة، والجيران مستعدون للسؤال قبل أن يباركوا! والأصدقاء كل واحد معه رقم الجلوس حتى يعرفوا النتيجة في حال صار ضغط على الموقع!!!! وكأننا في غرفة عمليات!

نضحك على المشهد، لكنه في الحقيقة يخفي قلقا حقيقيا ورعبا قاتل.

فمتى أصبح امتحان مدرسي قادرا على أن يحوّل أسرة كاملة إلى غرفة انتظار؟

لا شك أن التوجيهي محطة مهمة، وأن المعدل يفتح أبوابا ويحدد بعض الخيارات الجامعية. لكن المشكلة أننا أحيانا نكبّر التوجيهي حتى يصبح أكبر من حجمه، وأكبر من عمر الطالب، وأكبر من طاقة الأسرة على الاحتمال.

فالطالب لا يواجه الامتحان وحده، بل يواجه توقعات الأهل، ومقارنات الأقارب، وأسئلة الجيران، وتعليقات المجتمع:

"بشر، كم جبت؟"

سؤال بسيط في ظاهره، لكنه قد يكون ثقيلا جدا على طالب قضى عاما كاملا وهو يخشى ألا يكون عند حسن ظن الجميع.

وحين يسمع الطالب باستمرار:
"مستقبلك كله بالتوجيهي"، "بدك تجيب معدل عالي"، "دير بالك تخيب آمالنا"، يتحول النجاح من هدف يسعى إليه إلى خوف قاهر يحاول الهروب منه.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالقلق المفرط لا يصنع طالبا أفضل بالضرورة، وقد يجعل العلامة بالنسبة له مقياسا لقيمته: إذا ارتفعت فهو "بطل"، وإذا انخفضت فهو "ساقط".

والحقيقة أن العلامة تقيس أداء الطالب في امتحان معرفي بحت، ولا تقيس قيمته كإنسان او مهاراته، ولا تستطيع أن تتنبأ وحدها بمستقبله. يعني بإختصار ما تقيس جميع مجالاته الشخصية؛ المعرفة والمهارة والإتجاهات "يعني KSA " عنده هون ما اقصد السعودية إنما Knowledge, Skill and Attitude

ما علينا.... المهم... إن بعض الأسر، من شدة خوفها على أبنائها، تصبح دون أن تقصد مصدر الضغط الأكبر عليهم.

الأب يريد أن يحفّز ابنه، والأم تريد أن تطمئن عليه، لكن الرسالة التي قد تصل إلى الطالب أحيانا هي:

"بدك تنجح غصب… ودير بالك تخيب آمالنا وتفضحنا!"

وهذه ليست تربية، بل وصفة جاهزة لمزيد من القلق.

لذلك، نحن بحاجة إلى أن نعيد التوجيهي إلى حجمه الطبيعي.

نعم، نفرح بالمعدل المرتفع ونقدّر تعب الطالب.

لكن إذا جاءت النتيجة أقل من المتوقع، فلا داعي لأن تتحول غرفة الجلوس إلى محكمة استئناف!

الطالب يحتاج إلى أسرة تقول له:
"طيب، ما صار اللي بدنا إياه… خلينا نشوف شو الخيارات."

فالطريق لا ينتهي عند تخصص جامعي لم نحصل عليه، ولا عند معدل لم نصل إليه.

هناك التعليم المهني والتقني، والمهارات الرقمية، وريادة الأعمال، والتخصصات المتنوعة، ومسارات كثيرة قد لا نراها ونحن منشغلون بالرقم.

والأهم أن نتوقف عن المقارنة.

ابنك ليس ابن الجيران، وابنتك ليست بنت أختك.

لكل واحد قدراته وظروفه وطريقه.

وفي يوم النتائج، ربما علينا أن نغيّر السؤال الأول.

بدل: "كم جبت؟"

لنقل: "كيفك؟"

ثم نسأل: "شو الخطوة الجاية؟"

لأن أبناءنا قد ينسون بعد سنوات الرقم الذي ظهر على الشاشة، لكنهم لن ينسوا كيف نظرنا إليهم في اللحظة التي كانوا فيها أكثر خوفًا واحتياجًا لنا.

ولا يجوز أن تتحول نتيجة امتحان إلى مأساة أو إلى حكم على الحياة. لقد شهدنا، للأسف، حالات مؤلمة نتيجة الضغط والخوف من النتائج، وهذا وحده كافٍ لنسأل أنفسنا: هل يستحق رقم أن نخسر من أجله سلام أبنائنا؟

التوجيهي مهم، نعم.

لكن التوجيهي ليس الحياة.

هو محطة، وليس النهاية.

والمعدل رقم، وليس إنسانا.

فلنعلّم أبناءنا الاجتهاد دون رعب، والطموح دون مقارنة، والنجاح دون غرور، والتعثر دون انكسار.

وارحموا أبناءكم…

لا تجعلوا التوجيهي أكبر من أعمارهم، ولا تجعلوا العلامة أثقل من أحلامهم.

احتضنوهم في نجاحهم، وكونوا سندا لهم في تعثرهم.

وأخيرا، كما نقولها ببساطة وباللهجة التي نفهمها جميعا:

"كبّروها تكبر… وصغّروها تصغر."

فلنكبّر الإنسان، ولنضع الامتحان في حجمه الطبيعي.

ارحموا أبناءكم… فالتوجيهي محطة، وليس الحياة كلها.