بين هرمز والبحر الأحمـــر: اختنــاق مزدوج فهل تصمد مرونة الاقتصاد؟

بين هرمز والبحر الأحمـــر: اختنــاق مزدوج فهل تصمد مرونة الاقتصاد؟

انتقلت الأزمة في المنطقة من تهديد حركة الملاحة إلى استهداف منشآت حيوية، ثم إلى تصاعد الردود والردود المضادة، بما ينذر بتحول الممرات البحرية من طرق متأثرة بالصراع إلى جزء من أدواته. وهذا التطور لا يعني اتساع المواجهة عسكريًا فحسب، بل يرفع احتمال استمرار الاضطراب وصعوبة تقدير مدته، وهما أخطر ما تواجهه الأسواق وسلاسل الإمداد.

تكمن حساسية المشهد في وقوعه بين ممرين لا يمثلان مجرد طرق بحرية، بل شريانين للاقتصاد العالمي. فمضيق هرمز بوابة رئيسة لتدفقات النفط والغاز وواردات دول الخليج، بينما يربط باب المندب والبحر الأحمر آسيا بأوروبا عبر قناة السويس. وإذا تزامن الضغط على المسارين، يصبح الاقتصاد أمام اختناق مزدوج لا يعالجه تحويل السفن إلى طريق بديل إلا بكلفة مرتفعة.

فالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح يطيل الرحلات، ويرفع استهلاك الوقود وأجور التشغيل والتأمين، ويقلل عدد الرحلات التي تستطيع السفن تنفيذها سنويًا. وكل يوم إضافي يعني تأخر المواد الأولية وقطع الغيار، وتجميد رأس المال داخل البضائع العابرة، وزيادة حاجة الشركات إلى السيولة والمخزون. ثم تنتقل الكلفة إلى المصانع والأسواق في صورة أسعار أعلى للغذاء والدواء والطاقة ومدخلات الإنتاج.

لكن الأثر الأخطر ليس ارتفاع كلفة الشحن، بل تراجع موثوقية التوريد. فالشركات تستطيع التعامل مع سعر مرتفع إذا كان معلومًا، لكنها يصعب عليها التخطيط لموعد وصول غير مؤكد. وهذا الغموض يربك الإنتاج والتوزيع، ويدفع المؤسسات إلى زيادة الطلب والمخزون بصورة احترازية، فتزداد الضغوط على الموانئ والطاقة الاستيعابية والأسعار.

وتكشف الأزمة خللًا في نموذج اقتصادي بالغ في تفضيل الكفاءة على المرونة. فقد عُدّ تقليل المخزون، والاعتماد على المورد الأرخص، واستخدام المسار الأقصر، إدارة رشيدة. غير أن ما يخفض الكلفة في الظروف العادية قد يتحول عند الانقطاع إلى مصدر هشاشة؛ فالمخزون المنخفض يصبح نقصًا، والمورد الواحد نقطة فشل، والمسار الأقصر عنق زجاجة.

أما الدول المستوردة، ومنها الأردن، فلا يكفيها بقاء الموانئ والمعابر مفتوحة، لأن السلسلة قد تتعطل لدى المورد أو الناقل أو شركة التأمين أو الميناء الوسيط. لذلك يجب قياس الأمن الاقتصادي بقدرة السلعة الحرجة على الوصول من المصدر إلى المستهلك بالكميات والوقت والكلفة المقبولة، لا بجاهزية نقطة الوصول وحدها.

وتبدأ المعالجة العاجلة بإنشاء منظومات إنذار مبكر تراقب حركة الملاحة والمخزون وزمن التوريد، وتحدد السلع الأكثر تعرضًا للخطر. وعلى المدى المتوسط، يجب تنويع الموردين والموانئ، ورفع مخزون الأمان وفق زمن الأزمة المحتمل، وإبرام عقود مرنة للنقل والتأمين.

أما الحل الاستراتيجي، فلا يكمن في التخزين وحده، بل في إعادة تصميم شبكة التجارة الإقليمية، من خلال ربط موانئ الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط بالمستودعات والمناطق اللوجستية والطرق البرية والسكك الحديدية، لإنشاء ممرات بديلة تسمح باستمرار تدفق السلع عند تعطل أي مسار.

إن مرونة الاقتصاد لا تعني منع الصدمة، بل منعها من التحول إلى أزمة معيشية. وبين هرمز والبحر الأحمر، لن يكون الاقتصاد الأكثر صمودًا هو الأقل كلفة، بل الأكثر تنوعًا واستعدادًا وتكاملًا؛ لأن الطريق البديل الذي يبدو مكلفًا قبل الأزمة يصبح أثمن أصول الدولة عندما يضيق الممر.