التوجيهي .. بين حق الطالب في المعرفة ومسؤولية عدالة التعليم

التوجيهي .. بين حق الطالب في المعرفة ومسؤولية عدالة التعليم

استفزني، بمعناه الوطني الإيجابي، ذلك السؤال الكبير الذي طرحه برنامج "صوت المملكة" حول ملف المنصات التعليمية، ليفتح نقاشاً يتجاوز حدود الأدوات الرقمية إلى قضية أعمق تمس حاضر التعليم الأردني ومستقبله: كيف نحافظ على حق الطالب في الوصول إلى المعرفة، وفي الوقت ذاته نحمي عدالة التعليم، وهيبة المدرسة، والدور القيادي والناظم للدولة في قيادة التحول؟

ما نناقشه اليوم ليس خلافاً بين مؤيد ومعارض للتقنية، بل هو نقاش استراتيجي حول شكل العلاقة التي نريدها بين الدولة والتعليم والتكنولوجيا. فالتعليم في الدول التي تحترم مستقبلها ليس سلعاً تُعرض في بازارات التنافس التجاري، بل هو الأمن القومي في عمقه الاستراتيجي غير المعلن.

لقد فرض التحول الرقمي واقعاً جديداً، وقدمت المنصات للطلبة فرصاً إضافية ومهمة للمراجعة والاستفادة من خبرات تعليمية متعددة، ولا يمكن لأي رؤية حديثة أن تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها خصماً. لكن السؤال الأكبر: هل ستبقى هذه المنصات أداة إثرائية داعمة للمدرسة؟ أم أنها ستتحول تدريجياً إلى مسار يكرس "طبقية رقمية" يشعر معها الطالب بأن النجاح في امتحان الثانوية العامة أصبح مرتبطاً بالقدرة المالية؟

وهنا تمامًا تبدأ مسؤولية الدولة السيادية والتربوية.

فالتعليم ليس قطاعاً استثمارياً يخضع بالكامل لمنطق السوق الحر والعرض والطلب، لأنه يتعلق ببناء الإنسان وصناعة الهوية. فالعدالة التعليمية في الأردن هي العقد الاجتماعي غير المكتوب بين الدولة والمواطن. وحين يتحول امتحان الثانوية العامة من معيار للكفاءة والاجتهاد إلى معيار تتداخل فيه القدرة المادية، فإننا نهدد جوهر هذا العقد؛ إذ لا يجوز أن تصبح قدرة الأسرة المالية عاملاً مؤثراً في فرصة الطالب، سواء كان في قرى الأطراف، أو المخيمات، أو أحياء المدن.

فالتعليم العادل ليس مجرد توفير مقعد دراسي، بل هو ضمان فرصة متكافئة لكل طالب يمتلك الرغبة والقدرة على التعلم.

ولا بد من الإشارة إلى أن وزارة التربية والتعليم قطعت خطوات مهمة في مجال التعليم الرقمي من خلال المنصات التعليمية التي أطلقتها، والتي تمثل أساساً مهماً في تعزيز وصول الطلبة إلى المحتوى التعليمي. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود المنصة فقط، بل في قدرتها على أن تصبح منظومة وطنية متكاملة من حيث جودة المحتوى، واستمرارية التطوير، وجاذبية الاستخدام، بحيث يشعر الطالب أن التعليم النوعي حق متاح للجميع، وليس امتيازاً مرتبطاً بقدرة مالية معينة.

ويبقى السؤال الذي يحتاج إلى إجابة موضوعية: لماذا يتجه بعض الطلبة إلى المنصات الخاصة رغم وجود المنصات الرسمية؟

إن الإجابة لا ترتبط بالمحتوى وحده، بل ترتبط أيضاً بطريقة تقديم المعرفة، وحضور المعلم، وقدرته على بناء علاقة تعليمية مؤثرة مع الطالب، إضافة إلى أساليب التفاعل والجاذبية التي أصبحت جزءاً أساسياً من التجربة التعليمية الحديثة. فالمعلم الذي يمتلك القدرة على التبسيط، والتواصل، والتحفيز، لا يقدم معلومة فقط، بل يصنع تجربة تعليمية يشعر معها الطالب بالثقة والرغبة في التعلم.

وهنا يظهر تحدٍ آخر لا يمكن تجاهله، وهو العلاقة بين جودة التعليم داخل الغرفة الصفية وبين توسع سوق الدروس الخاصة والمراكز التعليمية والمنصات الرقمية. فعندما يشعر بعض الطلبة أو الأسر بأن الشرح الأكثر تفصيلاً، أو المتابعة الأكبر، أو الأسلوب الأكثر جذباً أصبح متاحاً خارج المدرسة بصورة أكبر، فإن ذلك يطرح سؤالاً وطنياً حول كيفية تعزيز دور المدرسة، وتمكين المعلم، وضمان أن تكون البيئة الصفية الرسمية قادرة على تقديم تعليم نوعي ومؤثر.

فالمعلم هو جوهر العملية التعليمية، ولا يمكن لأي منصة مهما بلغت تقنياتها أن تحل محله. ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في تطوير المعلم، وتعزيز مكانته المهنية، وتوفير الأدوات والظروف التي تمكنه من أداء دوره الكامل داخل المدرسة، حتى لا يصبح الطالب مضطراً للبحث عن التجربة التعليمية الأفضل خارج منظومته الأصلية.

باعتقادي ان الحكومات القوية ليست التي تمنع التحول، بل التي تستبق التغيير وتضع قواعده وتضبط إيقاعه. ولهذا فإن المطلوب ليس إلغاء المنصات، بل بناء شراكة وطنية حازمة تحدد الأدوار والمعايير، بحيث تبقى المدرسة هي قلب العملية التعليمية، وتكون المنصات مجرد ذراع داعمة لا بديلاً يلغي دورها.

فالمدرسة ليست "بنكاً للمعلومات" يسحب منه الطالب رصيده عبر شاشة صامتة، بل هي مشغل للقيم، ومصنع للمواطنة. الشاشات قد تمنح المعرفة، لكنها لا تبني الشخصية؛ والمنصات قد تساعد الطالب على الوصول إلى الإجابة النموذجية، لكن المدرسة وحدها هي من تصنع مواطناً يعرف كيف يسأل وكيف يبني وطناً.

إن المرحلة المقبلة تحتاج من وزارة التربية والتعليم، ومن صانع القرار الاستراتيجي، صياغة رؤية وطنية واضحة تجعل التقنية في خدمة التعليم، لا أن يصبح التعليم تابعاً لها. وهذا يتطلب معايير واضحة لجودة المحتوى، وأطراً تنظيمية تحمي الطالب والأسرة، وتضمن أن تبقى الأدوات الرقمية وسيلة لتعزيز العدالة التعليمية لا سبباً في تعميق الفجوة بين أبناء المجتمع الواحد.

والخلاصة التي يجب ألا يغفل عنها صانع القرار : نحن لا نحارب الرقمنة، بل نحارب الفوضى وغياب الحوكمة. والمطلوب اليوم هو "أردنة" هذا التحول الرقمي ودمجه في جسد الدولة الحاضن، حتى لا تتحول المدرسة الحكومية إلى مجرد محطة امتحان، بينما يصبح التعليم الحقيقي خارجها.

إن مستقبل التعليم الأردني يجب أن تصنعه رؤية وطنية واعية وجريئة تعرف ماذا تريد من التكنولوجيا، وتحمي في الوقت ذاته هيبة الدولة وحق كل طالب في تعليم يفتح له أبواب المستقبل بكرامة وعدالة.

فالأمم لا تُقاس فقط بعدد المنصات التي تمتلكها، ولا بسرعة تحولها الرقمي، بل بقدرتها على أن تجعل التكنولوجيا خادمةً لفلسفتها الوطنية، لا بديلاً عنها.

وهنا تقع الأمانة التاريخية أمام صانع القرار: أن نقود المستقبل قبل أن يقودنا.

والله ولي التوفيق