بعد عشرة أيام.. النفط بين صدمة الاتفاق وتوازن السوق العالمي

بعد عشرة أيام.. النفط بين صدمة الاتفاق وتوازن السوق العالمي

منذ الإعلان عن اتفاق واشنطن–طهران في الثامن عشر من الشهر الجاري لوقف الحرب، دخلت أسواق النفط في مرحلة أشبه بـ»الصدمة الأولى»، حيث تراجعت الأسعار بشكل حاد حيث بلغ سعر خام القياس العالمي برنت في نهاية تعاملات الاسبوع الماضي 71.99 دولار للبرميل، هذا الانخفاض لم يكن مجرد حركة تقنية، بل عكس إزالة جزء من علاوة المخاطر الجيوسياسية التي تراكمت خلال شهور إغلاق مضيق هرمز، ومع ذلك بقيت الأسواق متوترة، إذ لم تختفِ تلك العلاوة بالكامل، بل استمرت عند مستويات مرتفعة بفعل هشاشة الوضع الأمني وإمكانية تجدد الضربات بين الطرفين.

وفي قراءة تحليلية لحالة اسواق النفط العالمية بعد توقيع الاتفاقية، نجد ان الهبوط السريع في الأسعار مثّل استجابة أولية لعودة الناقلات تدريجياً عبر المضيق، لكنه لم يكن انهياراً كاملاً، فالمستثمرون تعاملوا مع الاتفاق كنافذة انفراج، لكنهم أبقوا هامشاً احترازياً في التسعير تحسباً لأي انتكاسة، وهذا يفسر التذبذب الحاد بين الخسائر الأسبوعية والارتدادات اللحظية عند صدور أخبار عن ضربات محدودة أو تصريحات متناقضة من الطرفين.

في العمق، السوق العالمي لا يتحرك وفق رغبات واشنطن وحدها، بل وفق معادلة العرض والطلب التي تتأثر بعوامل أوسع، منها إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية التي استخدمت خلال فترة الحرب لسد النقص في الطلب الداخلي للدول،  اضافة الى الطاقة الفائضة لدى عدد من الدول المصدرة خاصة السعودية والإمارات العربية، وحذر شركات الشحن والتأمين من العودة الكاملة إلى المضيق، هذه العناصر مجتمعة تجعل التراجع الحالي أقرب إلى «تصحيح أولي» أكثر منه مساراً دائماً نحو أسعار منخفضة، فالأسواق تميل إلى التوازن الذاتي، لكن هذا التوازن لن يتحقق إلا إذا استمر الانفراج السياسي وتراجعت احتمالات التصعيد العسكري.

إغلاق أسعار النفط نهاية الأسبوع  مختبرة حاجز الـ70 دولاراً هبوطاً يعكس هذه المرحلة الانتقالية، فالاسواق لم تنهَر، لكنها لم تستقر بعد، ولا زالت توقعات المؤسسات العالمية وتحالف اوبك + تشير إلى نطاق 75–85 دولاراً خلال الأشهر المقبلة، وهو مستوى يوازن بين عودة الإمدادات من إيران وبين استمرار علاوة المخاطر المرتبطة بالمضيق.

إن ما نشهده اليوم ليس نهاية أزمة النفط، بل بداية إعادة تشكيلها، فالصدمة الأولى للاتفاق أزالت جزءاً من الضغوط، لكنها لم تُلغِ هشاشة المشهد الجيوسياسي، ومع كل ناقلة تغادر المضيق، ومع كل تصريح متناقض بين واشنطن وطهران، يبقى السوق في حالة ترقب.

من المؤكد ان التوازن سيعود للاسواق تدريجياً، لكن استقراره مرهون بقدرة الأطراف على تثبيت الانفراج ومنع عودة التصعيد، فالنفط سلعة اقتصادية تخضع لقوانين العرض والطلب، لكنه في هذه المرحلة يبقى أسيراً لمعادلة السياسة والأمن أكثر من أي وقت مضى.