حين يكشف الاستشراق وجهه
إنها بطولة «إقصاء لا إدماج»- جولز بويكوف، أكاديمي وكاتب أمريكي وباحث في السياسة والرياضة.
قبل نصف قرن، أدخل المفكر العظيم إدوارد سعيد مفهوم الاستشراق، يشرح فيه العلاقة بين الشرق والغرب بوصفها علاقة غير متكافئة، تقوم على إنتاج الغرب لصورة معينة عن الشرق، لا باعتباره واقعًا مستقلًا، بل باعتباره «آخر» مختلفًا ومتخلفًا وغريبًا، مما ساعد الغرب على تبرير السيطرة السياسية والثقافية عليه.
وكان من بين ما كشفه هذا المفهوم طريقة تقسيم العالم وفق معايير مزدوجة، بحيث يكتسب الفعل الواحد معنيين متناقضين تبعًا للجهة التي ترتكبه. فالعامل المهاجر الذي يموت في بلد خليجي يتحوّل موته إلى فضيحة عالمية تستدعي التحقيق والمساءلة، أما المهاجر الذي يموت في الحجز الأمريكي، فيمرّ خبره مرور الكرام. وهكذا يُسمّى الغزو الأجنبي تحريرًا، بينما تُوصم المقاومة العربية بالإرهاب.
ومن زاوية نقد الاستشراق، يمكن المقارنة بين بطولة كأس العالم في قطر الشقيقة، وبطولة كأس العالم الحالية التي تُقام في ثلاث دول، من بينها الولايات المتحدة؛ فعندما استضافت قطر كأس العالم، تعرّضت لحملة انتقادات واسعة، حتى وصفتها منظمة العفو الدولية بـ«كأس العار»، ورفضت هيئة الإذاعة البريطانية بثّ حفل الافتتاح، مستبدلةً تغطيته ببرنامج يهاجم قطر بدلًا من نقل الحدث.
وكان جانب كبير من هذا الهجوم مرتبطًا بتمسّك قطر بثقافتها الإسلامية والعربية، ورفضها فرض رموز ومظاهر الشذوذ. فقد أعلنت سبعة اتحادات كروية عزم لاعبيها على ارتداء شارات داعمة للمثلية، وعندما تصدّت قطر لهذا القرار ومنعته، جاء ردّ المنتخب الألماني بتغطية أفواه لاعبيه في الصورة الجماعية قبل مباراته أمام اليابان، في لقطة بُثّت حول العالم. كما ارتدت وزيرة الداخلية الألمانية آنذاك الشارة نفسها في المدرجات، وهي جالسة إلى جانب رئيس الفيفا. وكشفت الدنمارك عن أطقم باهتة، من بينها قميص أسود قيل إنه يرمز إلى «الحداد» على العمال الذين ماتوا أثناء بناء منشآت البطولة، بينما أصدر لاعبو أستراليا مقطع فيديو احتجاجيًا جماعيًا.
ورغم الهجوم الحاد الذي تعرّضت له قطر، وحجم الضغوط التي مورست عليها، جاءت البطولة واحدة من أجمل بطولات كأس العالم وأكثرها تميزًا من حيث التنظيم، وحققت نجاحًا كبيرًا شهد له العالم.
والآن، لنطبّق مفهوم الاستشراق على البطولة الجارية في الولايات المتحدة. فقد أُعيد الحكم الصومالي عمر عبد القادر آرتان، الحاصل على جائزة أفضل حكم إفريقي لعام 2025، من ميامي، رغم أنه كان يحمل تأشيرة صالحة صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية، وكان من المقرر أن يصبح أول حكم صومالي في تاريخ كأس العالم. وقد احتُجز هناك، ثم نُقل جوًا إلى إسطنبول.
كما رُفضت تأشيرة جبريل الرجوب، رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، من الولايات المتحدة وكندا معًا. وكذلك رُفضت تأشيرة اللاعب الغاني توماس بارتي، فغاب عن المباراة الافتتاحية لمنتخب بلاده. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ مُنع أو احتُجز عدد من أفراد الوفد العراقي، من بينهم مصوّر الفريق. كما ذكر الاتحاد الإيراني أن السماح لبعثته بالدخول لن يكون إلا قبل كل مباراة بيوم واحد.
ولم يقتصر المنع على اللاعبين والحكام، بل امتدّ إلى المدرجات أيضًا؛ إذ رُفضت تأشيرات أكثر من أربعين عضوًا من جمعيات المشجعين المغاربة، وهم من مشجعي المنتخب الذي بلغ نصف نهائي كأس العالم 2022، رغم أنهم كانوا يحملون تذاكر دخول وحجوزات مؤكدة.
ولم ينتهِ الأمر عند ذلك؛ فقد أكدت وزارة الأمن الداخلي، المسؤولة عن الترحيلات، أن عناصرها يتمركزون في ملاعب كأس العالم. وأظهر مقطع فيديو نشره أحد المشجعين وجود قنّاصة داخل أحد الملاعب.
عندما يُفتَّش منتخب السنغال على مدرج المطار، ويُرحَّل حكم صومالي يحمل تأشيرة دخول صالحة، بينما تدخل المنتخبات الأوروبية جميعها بكل ودّ وترحاب، فلا يبقى الحديث عن الأمن والإجراءات إلا غطاءً هشًا لحقيقة واضحة: هذا التفاوت الصارخ تحكمه معايير التمييز العنصري.
-
على هامش كأس العالم 2026… هؤلاء هم الأردنيون2026-06-18 -
-
ارحموا المنتخب ..2026-06-17 -
-
