ليبيا: مبادرات جديدة تطفو على السطح وسط تباين التوقعات حول الانتخابات

ليبيا: مبادرات جديدة تطفو على السطح وسط تباين التوقعات حول الانتخابات

مع استمرار الجمود السياسي الذي يشهده المشهد الليبي، عاد ملف الانتخابات ليحتل صدارة النقاشات والتساؤلات، باعتباره الاختبار الحقيقي لقدرة الأطراف الليبية على تجاوز سنوات الانقسام.

وبعد مرور أكثر من عقد ونصف على سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي، لا تزال ليبيا تواجه صعوبة في تشكيل سلطة موحدة تستند إلى شرعية انتخابية، وذلك في ظل تعثر مستمر للمسارات السياسية وتضارب مصالح القوى المحلية والخارجية.

ويبدو السؤال عن مصير الانتخابات اليوم أكثر إلحاحا، ويكشف في طياته تباينا في التوقعات، مع وجود مبادرات متعددة تهدف إلى كسر الجمود، من بينها حوار وطني ترعاه الأمم المتحدة، ومن المتوقع أن تصدر توصياته قريبا، بالإضافة إلى تحركات سياسية أخرى تشمل مجموعة مصغرة تعتبر امتدادا لمبادرة أمريكية مرتبطة بمستشار الرئيس الامريكي مسعد بولس، فضلا عن تسريبات تتحدث عن مقترحات وحلول قد يطرحها مجلسا النواب والدولة.

وبين هذه المسارات المتوازية، يترقب الليبيون ما إذا كانت ستؤدي إلى توافق يمهد الطريق أمام الانتخابات هذا العام، أم أنها ستنضم إلى قائمة طويلة من المبادرات التي فشلت في حل الأزمة.

ويرى سياسيون، من بينهم الأكاديمي وأستاذ القانون الليبي راقي المسماري، أن مبادرة بولس، المدعومة أمميا عبر اجتماعات (4+4)، إلى جانب الحوار المهيكل، تمثل فرصة للتوصل إلى تفاهمات بشأن القوانين الانتخابية وتشكيل مجلس المفوضية.

واضاف المسماري أن الوصول إلى الانتخابات يبقى مرتبطا بقدرة الأطراف الليبية على تحقيق توافقات حقيقية داخل هذه الاجتماعات.

ومنذ بداية الربيع الحالي، حققت الأمم المتحدة تقدما في مسار الحوار المهيكل، الذي أطلقته في منتصف ديسمبر الماضي، بمشاركة سياسيين وخبراء ليبيين، ومن المتوقع أن تظهر نتائجه مطلع يونيو المقبل.

كما رعت الأمم المتحدة جولتين سياسيتين في تونس وروما لاجتماعات المجموعة السياسية المصغرة (4+4)، التي ضمت ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا والجيش الوطني في شرقها، بهدف معالجة أكثر الملفات الانتخابية تعقيدا، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية والمناصب الشاغرة في المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وياتي ذلك بالتزامن مع تسريبات لم ينفها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح مؤخرا بشأن لقاء جمعه بممثلين عن لجنة التواصل في المجلس الاعلى للدولة خلال اجتماع بالقاهرة، تناول تشكيل لجنة مشتركة لمناقشة القضايا الخلافية الرئيسية بين المجلسين.

ورغم هذا الزخم السياسي، يرى المسماري أن الحديث عن إمكانية إجراء الانتخابات هذا العام لا يزال محل اختبار، مستحضرا تجربة انتخابات 2021 التي تعطلت تحت ذريعة القوة القاهرة.

واكد أن الكرة ما زالت في ملعب القوى الفاعلة على الأرض، وما إذا كانت تريد فعلا انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، أم الاكتفاء بانتخابات برلمانية تحت حكومة موحدة ورئاسي جديد.

ويعتقد المسماري أن نجاح أي مسار انتخابي يبقى مرتبطا باستكمال جميع بنود المبادرة، بما في ذلك ترتيبات تقاسم السلطة بين حكومة تنفيذية ومجلس رئاسي يمثل السلطة السياسية، لافتا إلى أن المشهد الليبي ما زال محكوما بتوازنات سياسية وأمنية معقدة، تجعل أي حل مرهونا أولا بوجود إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المتنازعة.

ومع تعدد المسارات تتباين أيضا دوافع التفاؤل والحذر، فرات عضو مجلس النواب عائشة الطبلقي أن المبادرة الأمريكية تمثل خطوة مهمة نحو إنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة، وصولا إلى الانتخابات، كما عد المستشار السابق لرئيس المجلس الاعلى للدولة، السنوسي إسماعيل، أن استعادة التوافق بين مجلسي النواب والدولة تمثل فرصة مهمة لكسر الانسداد السياسي والوصول إلى انتخابات.

وفي المقابل، لا تبدو جميع الأطراف مرتاحة للمسارات السياسية القائمة، وهو ما كشفته مطالبة مكونات ليبية تمثل الأمازيغ والطوارق والتبو بتمثيل مباشر وعادل في أي مسار انتخابي، ودعت بعثة الأمم المتحدة إلى وقف مخرجات لجنة (4+4) المتعلقة بإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، مع التحذير من مقاطعة أي عملية انتخابية لا تضمن تمثيلا كاملا لهذه المكونات.

وفي هذا الإطار، يرى عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، الهادي بوحمرة، أن أي حديث عن انتخابات من دون حسم المسار الدستوري سيظل معرضا لإعادة إنتاج الأزمة والانقسام السياسي.

وقال ان فشل الليبيين حتى الآن في تنظيم استفتاء على مشروع الدستور وإقرار دستور دائم يجعل كثيرا من المحاولات السياسية الراهنة أقرب إلى العبث، وقد يسهم في تعميق الخلافات بدلا من حلها.

واكد بوحمرة أن إجراء انتخابات ذات مصداقية وقادرة على تحقيق الاستقرار والسلم المجتمعي لا يمكن أن يتم من دون أساس دستوري واضح يحدد شكل الدولة وصلاحيات المؤسسات، وتبنى عليه قوانين انتخابية ذات شرعية دستورية، مشددا على أن الدستور أولا يبقى الطريق الأقرب لتجنب تكرار الانقسام والصراع حول الشرعية.

ولا يغيب دور دول الجوار عن حسابات التسوية السياسية، خصوصا بعد بيان اجتماع دول الجوار الليبي في القاهرة يوم 21 مايو، بمشاركة مصر والجزائر وتونس، والذي شدد على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن.

ويرى الباحث السياسي محمد الأمين أن طرح دول الجوار يعكس حقيقة أن الأزمة الليبية تتعلق بشرعية السلطة كاملة، لا بمؤسسة واحدة فقط، محذرا من أن أي تسوية جزئية قد تعيد إنتاج الانقسام بصيغة جديدة، فيما يبقى المطلوب مسارا شاملا يضع جميع مؤسسات السلطة أمام التفويض الشعبي والمحاسبة، حتى لا تتحول الانتخابات إلى غطاء لاستمرار الأزمة بدلا من إنهائها.