أفرجت السلطات الليبية في شرق وغرب البلاد عن عشرات السجناء قبل عيد الأضحى، في خطوة وصفت بأنها ذات طابع إنساني، لكنها تحمل أبعاداً سياسية تهدف إلى كسب تعاطف الشارع وتوجيه رسائل إلى أطراف دولية.
جاء ذلك وسط مخاوف لدى سلطات طرابلس وبنغازي من مذكرات اعتقال محتملة من المحكمة الجنائية الدولية.
وغادر المحتجزون السجون بعد قرار من رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة بالعفو عما تبقى من العقوبة لعدد من النزلاء الليبيين، إضافة إلى الإفراج عن 254 سجيناً من جنسيات عربية وأجنبية وترحيلهم، وكانت سلطات الشرق قد أفرجت عن أكثر من 250 سجيناً قبل ذلك بيوم.
وأعاد هذا التزامن اتهامات متبادلة بين السلطتين باستغلال الملفات الإنسانية لتعزيز النفوذ وكسب الشعبية.
إلا أن هذه الخطوات لم تنه الجدل حول دلالاتها، في ظل استمرار الانقسام السياسي بين حكومتين متنافستين.
ورغم الترحيب الشعبي المحدود، لم تنجح الإفراجات في تخفيف الاستياء العام بعد قضاء الليبيين وقفة العيد في طوابير طويلة أمام المصارف ومحطات الوقود، مع ارتفاع حاد في الأسعار.
وبحسب أحمد دوغة، نائب رئيس حزب الأمة الليبي، فإن الهدف السياسي هو سعي كل سلطة لتقديم نفسها كطرف أقرب لمعاناة المواطنين، وبين أن هذا الاستقطاب الموسمي فقد فاعليته وتآكلت مصداقيته منذ سنوات، مشيراً إلى أن المستفيدين المباشرين محصورون في أسر السجناء المفرج عنهم.
ويقارن دوغة ذلك بمعاناة قطاعات واسعة من الليبيين، الذين أمضوا ساعات طويلة في طوابير أمام المصارف ومحطات الوقود، أو بحثوا عن أضحية بسعر مناسب، في ظل غلاء غير مسبوق.
وعكست تعليقات متداولة على منصات التواصل حالة من الغضب الشعبي، وتساءل أحد المستخدمين عن المسؤول عن الشعب المحبوس في طوابير الوقود والمصارف.
وخلال الأشهر الماضية، عاش المواطن الليبي ضغوطاً اقتصادية متزايدة مع تراجع الدينار وارتفاع التضخم، مما انعكس على أسعار السلع الأساسية، ويرى مراقبون أن هذه الأزمة مرشحة للاستمرار في ظل الانسداد السياسي.
وفي قراءة أخرى، ربط حقوقيون من بينهم طارق لملوم هذه التحركات بسياق سياسي وحقوقي دولي حساس، يتمثل في بدء محاكمة خالد الهشيري أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وقال لملوم إن إعلان المحكمة الجنائية الدولية عن مذكرات ملاحقة إضافية بحق مسؤولين ليبيين أثار مخاوف لدى سلطات الشرق والغرب، وربما دفعها نحو تسريع خطوات تهدف إلى تبييض السجون وتحسين صورتها، مبرزاً أن محاكمة الهشيري أعادت تسليط الضوء على أوضاع الاحتجاز في ليبيا.
وانتقد لملوم تصوير الإفراجات وكأنها هبة من قادة الكيانات المسلحة، عادّاً أن إنصاف المظلومين يجب أن يبقى في إطار قانوني، مشيراً إلى أن الأزمة تمتد إلى السجون السرية ومعسكرات الاحتجاز التي تديرها مجموعات مسلحة.
ورغم تداول صور للمفرج عنهم وهم يقضون العيد مع أسرهم، شدد لملوم على أن الحكومتين لم تقتربا من معالجة الهم الرئيسي لليبيين، والمتمثل في غلاء المعيشة.
ومن منظور البعض، فإن هذا الملف يرتبط بسياق سياسي أوسع، وأوضح المحلل السياسي حسام فنيش أن القوى الفاعلة في شرق وغرب البلاد تسعى عبر هذه الإفراجات إلى توجيه رسائل إيجابية إلى القوى الدولية المنخرطة في جهود تشكيل حكومة موحدة.
وانتهى إلى أن استمرار التنافس بين سلطات الشرق والغرب يعزز الشكوك بشأن قدرة أي حكومة موحدة مستقبلية على الصمود، كما يفاقم الاستياء الشعبي في ظل استمرار توظيف الملفات الإنسانية والسياسية لتعزيز النفوذ.





