يشكل الذكاء الاصطناعي اليوم عاملا حاسما في اعادة تشكيل موازين القوى على الساحة الدولية، حسبما يرى الكاتب والمحلل الاستراتيجي الامريكي هال براندز، والصراع بين الولايات المتحدة والصين لم يعد مقتصرا على التجارة او النفوذ العسكري التقليدي، بل يتصاعد ليتركز حول القدرة على تطوير وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات.
واكد مقال نشر في صحيفة واشنطن بوست ان احداثا جرت كشفت بوضوح انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب الى التطبيق العملي في ادارة الحروب.
وحسب المقال، اعتمدت الولايات المتحدة في عمليات عسكرية حديثة على انظمة ذكاء اصطناعي متطورة لتحليل كميات هائلة من البيانات الواردة من مصادر متعددة، ما ادى الى تنفيذ عمليات دقيقة وسريعة لم تكن ممكنة بالاساليب التقليدية.
واوضحت التجارب العسكرية ان حروب المستقبل ستعتمد بشكل كبير على قدرة الجيوش على استيعاب الذكاء الاصطناعي واستخدامه في اتخاذ القرارات وادارة العمليات القتالية، واي مواجهة مستقبلية بين القوى الكبرى قد تعتمد على الطرف الذي ينجح في دمج الذكاء الاصطناعي في بنيته العسكرية.
وحذر الكاتب من ان الثورة التقنية تخلق نقاط ضعف جديدة، فالبنية التحتية التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي اصبحت اهدافا استراتيجية في اي صراع محتمل.
افضلية ليست مضمونة
وفي هذا السياق، اشار المقال الى ان خصوم الولايات المتحدة يدركون اهمية ضرب البنية التحتية الرقمية لاضعاف القدرات الامريكية، وبالتالي اصبحت حماية مراكز البيانات جزءا اساسيا من مفهوم الامن القومي الحديث.
ونبه المقال الى خطر تصاعد الحرب السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فالنماذج المتقدمة قادرة على اكتشاف الثغرات البرمجية بسرعة وكفاءة تفوق القدرات البشرية، ويخشى الخبراء من ظهور جيل جديد من الهجمات الالكترونية القادرة على استهداف البنية التحتية الحيوية على نطاق واسع.
واكد الكاتب ان الولايات المتحدة تدخل المنافسة من موقع قوي نسبيا، فالشركات الامريكية ما زالت تتصدر قطاع الذكاء الاصطناعي العالمي، وتمتلك شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء، وتمتلك افضل النماذج في كثير من المجالات.
الا ان هذه الافضلية ليست مضمونة، فالصين تستثمر موارد ضخمة في تطوير الذكاء الاصطناعي وتسعى لتقليص الفجوة التقنية بسرعة، ولهذا يحدد الكاتب خمسة تحديات رئيسية على واشنطن التعامل معها للحفاظ على موقعها القيادي.
ويتمثل التحدي الاول في حماية التفوق التكنولوجي الامريكي، فالصين تعمل بصورة منهجية على تقليد النماذج الامريكية المتقدمة والاستفادة من الابتكارات التي تحققها الشركات الامريكية، وتسعى للالتفاف على القيود المفروضة على تصدير الرقائق المتطورة اليها.
تشديد الرقابة
ويرى الكاتب ان الحفاظ على التفوق الامريكي يتطلب تشديد الرقابة على تصدير التكنولوجيا الحساسة ومنع وصول الصين الى الرقائق الالكترونية الاكثر تطورا، وتعزيز التعاون مع الحلفاء لضمان فعالية هذه القيود، فاي تراجع في هذه السياسات قد يسمح للصين بتقليص الفجوة بوتيرة اسرع مما تتوقعه واشنطن.
ويتعلق التحدي الثاني بالانتشار العالمي للذكاء الاصطناعي الصيني، وحتى لو احتفظت الولايات المتحدة بالصدارة التقنية، فان الصين قد تنجح في الهيمنة على اسواق الدول النامية عبر تقديم نماذج ارخص واسهل استخداما.
ويشير المقال الى ان بكين تعرض على العديد من الدول حزما متكاملة تشمل البرمجيات والاجهزة والبنية التحتية والتمويل، ما يمنحها قدرة كبيرة على التوسع في افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية، وتحتاج الولايات المتحدة الى استراتيجية هجومية لتوسيع انتشار تقنياتها في هذه الاسواق.
ويرتبط التحدي الثالث بحماية البنية التحتية العالمية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي، فمراكز البيانات وشبكات الطاقة ومصانع الرقائق اصبحت اصولا استراتيجية لا تقل اهمية عن القواعد العسكرية او حقول النفط في العقود السابقة.
واعطى الكاتب اهتماما خاصا لتايوان، التي تعد مركزا عالميا لانتاج الرقائق المتقدمة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ويعتبر ان امنها اصبح جزءا لا يتجزا من امن النظام التكنولوجي العالمي.
قضية جيوسياسية
وشدد المقال على اهمية التحالفات الدولية في هذا المجال، فالكثير من المكونات الاساسية لسلسلة انتاج التكنولوجيا المتقدمة موجودة لدى حلفاء الولايات المتحدة، واي تراجع في العلاقات مع هؤلاء الحلفاء قد يضعف القدرات الامريكية نفسها.
ويتعلق التحدي الرابع بالعلاقة المعقدة بين الحكومة الامريكية وشركات التكنولوجيا العملاقة، وتعتمد واشنطن بصورة متزايدة على ابتكارات هذه الشركات في المجالات العسكرية والامنية، ولكنها في الوقت نفسه تخشى من ان تصبح هذه الشركات مالكة لقدرات استراتيجية تصعب السيطرة عليها.
ويتمثل التحدي الخامس والاخير في تحقيق التوازن بين الابتكار والسلامة، وتريد الولايات المتحدة الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تستطيع تجاهل المخاطر التي قد تنتج عن الاستخدام غير المنضبط لهذه التكنولوجيا.
وفي ختام المقال، اكد براندز ان الذكاء الاصطناعي لم يعد قضية تقنية متخصصة، بل اصبح قضية جيوسياسية من الدرجة الاولى، فالقرارات التي تتخذها الولايات المتحدة اليوم بشان تطوير هذه التكنولوجيا وحمايتها ونشرها عالميا قد تحدد شكل النظام الدولي لعقود مقبلة.
وخلص الكاتب الى ان الولايات المتحدة لا تزال تمتلك موقع الصدارة في هذا السباق، لكن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب تحركا سريعا واستراتيجية شاملة، فالصين تواصل التقدم، وثورة الذكاء الاصطناعي تتسارع بوتيرة تجعل التاخر في اتخاذ القرار مكلفا للغاية.





