حاج سوري يحقق حلمه بالطواف بعد سنوات من الفقد والمعاناة

حاج سوري يحقق حلمه بالطواف بعد سنوات من الفقد والمعاناة

في ريف حمص الغربي، حيث ينساب نهر العاصي بين القرى، تنطلق حكاية الحاج السوري عبد الكريم محمد خضر الطويل، الذي طالما حلم برؤية الكعبة وأداء مناسك الحج، وهو ما تحقق له في موسم الحج الحالي.

وتحققت هذه اللحظة المنشودة بعد سنوات طويلة قضاها الحاج عبد الكريم في مواجهة صعاب جمة، حيث فقد تسعة من أفراد أسرته، وتركت تلك الأحداث الأليمة بصماتها على وجهه.

في قرية «الحوز»، كان الطويل، البالغ من العمر 57 عاما، مزارعا بسيطا يعتاش من الأرض، وفي عام 2010، تجهز لأداء مناسك الحج، لكن القدر كان له رأي آخر، إذ فقد خمسة من أبنائه وثلاثة من أشقائه وابن عمه.

ومع اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011، تغيرت حياة عبد الكريم رأسا على عقب، فتحولت يده من حمل الفأس إلى حمل السلاح دفاعا عن أرضه وعرضه، وقبل ذلك، تعرض للاعتقال في رمضان 2012، لكنه نجا بأعجوبة، بينما لم يحالف الحظ إخوته، إذ تعرضوا للاعتقال والتعذيب، وقُتل شقيقه الأكبر تاركا وراءه عشرة أيتام.

ومنذ ذلك الحين، دخل الرجل، البالغ من العمر 57 عاما، في رحلة طويلة من الألم، يقضي نهاره في الأراضي الزراعية بحثا عن لقمة العيش، وليله في الحراسة، وقال بصوت مثقل: «عشنا مأساة حقيقية، لكن إيماننا بعدالة قضيتنا كان أقوى من كل شيء».

وفي عام 2013، اجتاحت قريتهم المعارك، واضطرت العائلة إلى النزوح نحو الحدود اللبنانية، ومن بلدة عرسال، قرر عبد الكريم العودة إلى سوريا، مؤمنا بأن «الموت في الوطن أكرم من حياة المنفى»، لكن الوجع الأكبر كان ينتظره هناك.

ففي ليلة قصف دامية، قُتل ابنه الأول أمام عينيه، فحمله الأب ودفنه بيده تحت جنح الظلام، وما إن حل الصباح حتى لحق به ابنه الثاني، ليواريهما الثرى جنبا إلى جنب، بينما كان نصف قلبه يُدفن معهما، وتوالت الفواجع، إذ أصيب ابنه محمد وفارق الحياة متأثرا بجراحه، وبعد أيام لحق به ابنه الرابع عيسى، ثم يوسف خامس أبنائه.

وبين الاعتقال والمواجهات، فقد عبد الكريم كذلك اثنين من إخوته وابن عمه، حتى وصل عدد من ودعهم من عائلته إلى تسعة، ومع كل قبر كان يحفره بيديه، لم يفقد عبد الكريم إيمانه، بل ظل حلم الطواف حول الكعبة معلقا في قلبه.

وفي موسم حج هذا العام، وقف الحاج السوري أخيرا أمام الكعبة المشرفة للمرة الأولى في حياته، مرتديا ثوب الإحرام الأبيض، بينما يحمل جسده آثار أكثر من 11 رصاصة، وهنا، انهارت دموعه للمرة الأولى، واختلطت الدعوات بأسماء أبنائه وإخوته الذين سبقوه، مستشعرا أن الله الذي اختبره بكل هذا الفقد، قد منحه في النهاية لحظة الطمأنينة التي انتظرها طويلا.

وقال عبد الكريم إن حجه هذا هو أولى ثمار الصبر الطويل، وإنه لا ينظر إلى الماضي بحسرة، بل بيقين أن أبناءه وإخوته كانوا طريقه إلى الله، وإنهم سيكونون شفعاء له يوم القيامة، ولم يخف إعجابه الشديد بالخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، مؤكدا أن ما تقدمه السعودية للحجاج يفوق الوصف، ويعكس امتداد مواقفها الإنسانية مع الشعب السوري عبر السنوات.