تشهد المفاوضات الامريكية الايرانية منعطفا حاسما مع عودة الوفد الايراني الى طهران بعد محادثات في الدوحة تركزت على الافراج عن جزء من الاصول الايرانية المجمدة، ويأتي ذلك في ظل تاكيدات وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو بامكانية التوصل الى اتفاق خلال ايام، رغم الضربات الامريكية الاخيرة في جنوب ايران والاتهامات الايرانية بانتهاك وقف اطلاق النار.
واوضح التلفزيون الايراني الرسمي ان الوفد برئاسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف قد عاد الى طهران بعد لقاءات مع مسؤولين قطريين.
وتوجه قاليباف على راس وفد رفيع المستوى للمشاركة في محادثات تهدف الى وضع اللمسات الاخيرة على مسودة تفاهم مع واشنطن لانهاء الحرب.
وجاءت المحادثات في وقت تتواصل فيه الجهود للتوصل الى مذكرة تفاهم اولية تشمل انهاء الحرب وفتح مضيق هرمز واستئناف مسار تفاوضي اوسع بشان الملفات الاكثر تعقيدا وفي مقدمتها البرنامج النووي الايراني.
غير ان الضربات الامريكية الاخيرة التي قالت واشنطن انها استهدفت زوارق ومواقع صاروخية دفاعا عن النفس اعادت اظهار هشاشة وقف اطلاق النار، بينما واصلت طهران وواشنطن الحديث عن امكان استمرار المحادثات.
وقال روبيو للصحافيين في مدينة جايبور الهندية ان محادثات جرت في قطر، واضاف سنرى ما اذا كان بامكاننا احراز اي تقدم، واعتقد ان هناك الكثير من النقاشات الدائرة حول نقاط محددة في الوثيقة الاولية، لذا سيستغرق الامر بضعة ايام.
وتابع اعرب الرئيس عن رغبته في التوصل الى اتفاق، اما ان يعقد صفقة جيدة او لا يعقد اي صفقة.
واكد روبيو ان المضائق يجب ان تكون مفتوحة، مضيفا سيتم فتحها بطريقة او باخرى، لذا يجب ان تكون مفتوحة، ووصف ما يحدث في مضيق هرمز بانه غير قانوني وغير مشروع وغير مستدام للعالم وغير مقبول.
محطة الدوحة
في الضفة الاخرى نقلت وكالة تسنيم التابعة للحرس الثوري عن مصدر مطلع قريب من فريق التفاوض ان قاليباف بحث في قطر الية الافراج عن 12 مليار دولار في المرحلة الاولى من التفاهم المحتمل ضمن مذكرة مؤلفة من 14 بندا تنص على الافراج عن الاموال الايرانية المجمدة خلال مسار المفاوضات والمقدرة بنحو 24 مليار دولار.
وقال المصدر ان طهران تشدد على اتاحة نصف هذا المبلغ مع بدء اعلان مذكرة التفاهم، على ان ينقل النصف الاخر خلال 60 يوما، واضاف ان زيارة قاليباف الى قطر جاءت لبحث الية تنفيذ هذا المطلب وكيفية الوصول الى 12 مليار دولار في الخطوة الاولى وازالة العوائق المرتبطة به.
واوضح المصدر ان تجربة الافراج السابقة عن الاموال الايرانية في كوريا الجنوبية وقطر دفعت طهران الى التشديد على متابعة الخطوات التنفيذية بدقة تفاديا لتكرار التعقيدات السابقة، واضاف ان الزيارة استفادت من تلك التجربة لضمان عدم حدوث اي خلل في الوصول الى الاموال وحققت نتائج جيدة في هذا الجانب.
وقال المصدر ان مفاوضات قطر كانت جيدة في مجملها واسهمت في تحقيق تقدم في المفاوضات العامة، لكنه اضاف ان طهران تتعامل مع الملف بحذر شديد لان الولايات المتحدة معروفة بانها طرف سيئ العهد على حد تعبيره.
وجاء ذلك بعدما نفت قطر تقريرا اسرائيليا افاد بانها عرضت على ايران قرضا بقيمة 12 مليار دولار لضمان توقيع اتفاق سلام مع الولايات المتحدة.
وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الانصاري ان التقارير التي تزعم ان الدوحة عرضت 12 مليار دولار على ايران كاذبة ولا اساس لها، مضيفا انها تروج من اطراف تسعى الى افشال الاتفاق وتقويض الجهود الدبلوماسية الرامية الى خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار في المنطقة.
ونقلت تسنيم عن مصدر مطلع اخر ردا على تصريحات المتحدث باسم الخارجية القطرية بان الدوحة لا تقدم اموالا لضمان مذكرة التفاهم بين ايران والولايات المتحدة قوله ان تصريحات القطريين ليست خاطئة في مجملها، موضحا ان الاموال التي جرى بحثها في الدوحة تعود الى ايران ولا علاقة لها بضمان التفاهم.
واضاف ان طهران بسبب تجاربها السابقة تسعى بدقة وتشدد كاملين الى استعادة هذه الاموال.
وقالت تسنيم ان زيارة الوفد الايراني جاءت في اطار السعي الى الافراج عن جزء من الاموال المجمدة في المرحلة الاولى من تنفيذ مذكرة التفاهم المحتملة، واضافت ان ايران تصر على الافراج عن جزء من هذه الاموال خلال العملية لانها لا تثق بالجانب الامريكي وتسعى الى تحقيق نتائج مؤكدة ومنفعة ملموسة.
وذكرت الوكالة ان اهمية الملف دفعت قاليباف بصفته رئيس فريق التفاوض الى التوجه بنفسه الى الدوحة لمتابعته في محادثات مع امير قطر، ونقلت عن مصدر مطلع قوله ان الزيارة شهدت تقدما واتخذت خلالها خطوات الى الامام.
الاموال المجمدة
تتضارب المعلومات حول الاصول الايرانية المجمدة في الخارج، وتشير بعض التقديرات غير الرسمية الى انها تتراوح بين 100 مليار و120 مليار دولار.
وقال محافظ البنك المركزي الايراني السابق ولي الله سيف بعد اعلان الاتفاق النووي في 2015 ان الاتفاق من شانه اطلاق 30 مليار دولار من اصول ايران المجمدة.
وخلال مفاوضات فيينا التي تعثرت طالبت ايران بالافراج عن اصول مجمدة من عائدات مبيعاتها النفطية في اليابان وكوريا الجنوبية اضافة الى مستحقات بيع الغاز والكهرباء للعراق والمقدرة بنحو 6 مليارات دولار.
وتقدر الاصول الايرانية المجمدة في كوريا الجنوبية بنحو 7 مليارات دولار وفي اليابان بـ1.6 مليار دولار وفي لوكسمبورغ بـ1.5 مليار دولار، وكانت صحف ايرانية قد ذكرت ان لايران نحو 20 مليار دولار في الصين.
وجرى تحويل 6 مليارات دولار من الاموال الايرانية المجمدة في بنوك كورية جنوبية الى قطر مقابل الافراج عن خمسة مواطنين امريكيين محتجزين في ايران، غير ان تلك الاموال لم تفرج للاستخدام الايراني اذ تدهورت العلاقات بين واشنطن وطهران عقب هجوم حماس على اسرائيل الذي اشعل حرب غزة.
وقالت المتحدثة باسم الحكومة الايرانية فاطمة مهاجراني ان احدى مشكلات طهران في المفاوضات تتمثل في تناقض الاقوال والسلوك الامريكي، لكنها ابدت ثقة بـالقوات العسكرية وفريق الدبلوماسية الايراني معربة عن املها في الوصول الى سلام مستدام.
واضافت مهاجراني ان الحكومة تسعى الى السيطرة على التضخم، لكنها اشارت الى ان التطورات الدولية تؤثر في معدلاته، مؤكدة ان الحكومة تحاول ضبطه عبر الانضباط في الموازنة.
وقالت ان العقوبات والاضطرابات الدولية تؤثر في كل الصناعات وان قطاع الدواء ليس استثناء.
روبيو بين الاتفاق والضغط
جاءت تصريحات روبيو بعد ضربات امريكية جديدة قالت ايران انها انتهاك صارخ لوقف اطلاق النار، وقالت وزارة الخارجية الايرانية ان الضربات الامريكية التي وقعت في اقليم هرمزغان بجنوب البلاد تمثل انتهاكا صارخا للهدنة الهشة في وقت افادت وسائل اعلام ايرانية بسماع دوي انفجارات فجر الثلاثاء في الاقليم.
وقالت الولايات المتحدة ان الضربات استهدفت زوارق كانت تحاول زرع الغام ومواقع اطلاق صواريخ، وبعد الهجمات قال روبيو ان التوصل الى اتفاق لا يزال ممكنا لكنه قد يحتاج الى بضعة ايام بسبب النقاشات الجارية حول بنود محددة في الوثيقة الاولية.
وتحدثت مصادر ايرانية وامريكية عن تقدم في مذكرة تفاهم او اتفاق اولي من شانه وقف الحرب واستئناف الملاحة عبر مضيق هرمز مع منح المفاوضين 60 يوما لمناقشة قضايا اكثر تعقيدا بينها البرنامج النووي الايراني.
وتقول الرواية الايرانية ان الاتفاق الاولي يقتصر على انهاء الحرب في جميع الجبهات ووضع اطار عمل لمدة 30 يوما بشان حركة المرور عبر مضيق هرمز وربما تقديم دعم مالي عبر الافراج عن جزء من الاصول المجمدة على ان تبحث القضايا الاكثر حساسية مثل البرنامج النووي في مرحلة ثانية.
وقال مصدر ايراني كبير لرويترز ان ايران كانت تضغط خلال محادثات قطر لادراج بند الافراج عن مليارات الدولارات من الاصول المجمدة ضمن المذكرة، ونقلت وكالة فارس التابعة للحرس الثوري عن مصدر قوله ان الافراج عن هذه الاموال هو اخر نقطة خلاف جدية تحول دون الانتهاء من مذكرة التفاهم.
الغبار النووي
قال ترمب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي انه يتوقع من ايران ان تسلم اليورانيوم المخصب لديها الى الولايات المتحدة لتدميره او ان يتم تدميره في مكانه بحضور شهود دوليين.
وكتب ترمب اليورانيوم المخصب الغبار النووي اما سيتم تسليمه على الفور الى الولايات المتحدة لنقله الى الوطن وتدميره او من الافضل بالتنسيق مع الجمهورية الاسلامية الايرانية تدميره في مكانه او في موقع اخر مقبول بحضور لجنة الطاقة الذرية او ما يوازيها كشاهد على هذه العملية والحدث.
ويرى ترمب ان الهدف الرئيسي من الحرب هو منع ايران من صنع سلاح نووي باستخدام اليورانيوم العالي التخصيب، وتنفي طهران دوما وجود اي خطط لصنع سلاح نووي وتقول ان لها الحق في تخصيب اليورانيوم لاغراض مدنية.
وفي خطاب بمناسبة موسم الحج قال المرشد الايراني مجتبى خامنئي ان عقارب الساعة لا يمكن ان تعود الى الوراء مجددا تهديدات والده المرشد السابق علي خامنئي للقوات الامريكية في منطقة الشرق الاوسط وكذلك، واشار الى ضرورة تكرار شعارات الموت لامريكا والموت لاسرائيل فضلا عن الوعود بـ زوال اسرائيل وذلك في رد ضمني على دعوة ترمب للانضمام لـاتفاقيات ابراهيم.
وفي الوقت نفسه لا يزال مضيق هرمز في قلب المفاوضات وقد ادى اغلاقه الفعلي الى ازمة غير مسبوقة في امدادات النفط وارتفاع اسعار الخام والوقود والاسمدة والغذاء، وردت ايران على الضربات الامريكية الاسرائيلية التي بدات باطلاق طائرات مسيرة وصواريخ على دول في الخليج العربي تستضيف قواعد امريكية.
وانخفضت حركة المرور عبر المضيق الذي كان يمر عبره عادة نحو خمس التجارة العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال الى جزء ضئيل من مستواها السابق للحرب، وارتفع خام برنت نحو 3.5 في المائة ليتجاوز 99 دولارا للبرميل بعد انباء الضربات الامريكية.
وتتجه الانظار الى منتجع كامب ديفيد الرئاسي في واشنطن حيث يعقد ترمب اجتماعا نادرا لمجلس الوزراء مع اقتراب المحادثات مع ايران من مرحلة حاسمة وفق ما صرح مسؤول في البيت الابيض لوكالة الصحافة الفرنسية.
ويعكس اختيار المنتجع المنعزل في جبال ماريلاند الذي نادرا ما يزوره ترمب مقارنة برؤساء سابقين حساسية المناقشات، وذكرت صحيفة نيويورك بوست ان الملف الايراني سيهيمن على الاجتماع المتوقع ان يحضره جميع اعضاء مجلس الوزراء مع طرح الملف الاقتصادي ايضا على جدول الاعمال.
وشهد كامب ديفيد في الماضي محطات دبلوماسية بارزة بينها اتفاقات بين مصر واسرائيل في عهد جيمي كارتر وقمة اسرائيلية فلسطينية فاشلة عام في عهد بيل كلينتون، وتعد هذه الزيارة الثانية فقط لترمب الى كامب ديفيد خلال ولايته الثانية وكانت الاولى قبل ايام من شن الولايات المتحدة ضربات استهدفت منشات نووية ايرانية.





