هدم المنازل يتصاعد في الولجة الفلسطينية وسط تنديد دولي

هدم المنازل يتصاعد في الولجة الفلسطينية وسط تنديد دولي

تصاعدت وتيرة هدم المنازل في قرية الولجة الفلسطينية الواقعة بالقرب من القدس، حيث كثفت السلطات الإسرائيلية عمليات الهدم في الأيام الأخيرة، مما أثار استياءً واسعاً وتنديداً دولياً.

وقال سكان من الولجة إن قوات الاحتلال الإسرائيلي تعمل على تدمير قريتهم التي تعود جذورها إلى آلاف السنين، مشيرين إلى أن القرية مذكورة في السجلات العثمانية منذ 500 عام وتضم ثاني أقدم شجرة زيتون في العالم.

وأضاف السكان أن السلطات الإسرائيلية كثفت خلال الأيام القليلة الماضية عمليات الهدم ضد 38 من أصل 60 منزلاً في القرية.

وتهدف هذه الخطوات المتواصلة إلى خنق قرية الولجة ومنع الجيل الثالث من بناء منازل جديدة، كما فعلت مع الأجيال السابقة، ففي عام 1948، تم تهجير سكانها إلى سفح الجبل المقابل لقريتهم بالقرب من بيت جالا.

وبين السكان أنه في إطار اتفاقيات الهدنة التي وقعتها إسرائيل مع المملكة الأردنية في نهاية حرب 1948، غادر أهالي الولجة قريتهم ونزح بعضهم شرقاً حيث أقاموا الولجة «الجديدة» على مساحة تقدر بنحو 6000 دونم من أراضي القرية، التي بلغت في ذلك الوقت 18 ألف دونم، وبقيت على الجهة الأخرى من الخط الأخضر.

وبعد احتلال الضفة الغربية في عام 1967، ضمت إسرائيل نحو ثلث مساحة القرية الجديدة إلى منطقة القدس، وبدأت في الاستيلاء على أراضيها تدريجياً، وأقامت عليها مستوطنتي «هار جيلو» في عام 1968 و«جيلو» في عام 1971.

خنق وتضييق على التطور العمراني

وأكد مسؤولون محليون أن السلطات الإسرائيلية تحرص على خنق الولجة ومنع تطورها، موضحين أنه لا يوجد في القرية اليوم سوى 3 آلاف فلسطيني، ومنذ أن ضمت جزءاً من القرية إلى منطقة القدس، لم تقدم البلدية أي خدمات بلدية لتلك المنطقة.

كما بين المسؤولون أن إسرائيل رفضت على مدار عقود الموافقة على خرائط بناء، مما لم يترك للسكان خياراً سوى بناء منازلهم دون ترخيص، وهذا ما فعلوه على مر السنين.

ويواجه حي عين الجويزة، وهو الجزء الذي تم ضمه إلى منطقة القدس من قرية الولجة، ويقيم فيه حالياً نحو ألف شخص، أوامر هدم ضد 38 من أصل 60 منزلاً في هذا الحي، وقد أصدر قسم الإجراء الخاص بالأراضي في وزارة القضاء الإسرائيلية هذه الأوامر.

وأشار السكان إلى أن المنازل الـ 22 المتبقية بنيت أيضاً دون ترخيص، وبالتالي قد تواجه مصيراً مشابهاً في حال تنفيذ أوامر الهدم، وفي حال تنفيذها، سيفقد 380 شخصاً منازلهم.

وتستند أوامر الهدم إلى ما يسمى بـ «قانون كمينتس»، الذي يفرض غرامات باهظة على من يبني دون ترخيص أو من لا يهدم منزله بنفسه.

وكان سكان القرية قد تقدموا بالتماس إلى المحكمة العليا في عام 2018، مطالبين بمنع تنفيذ الهدم وبإعداد خريطة هيكلية لذلك القسم من القرية المشمول في منطقة نفوذ بلدية القدس، وأصدر قضاة المحكمة آنذاك أمراً مؤقتاً إلى حين البت في الالتماس، وفي ختام الجلسة التي عقدت في نهاية شهر مارس (آذار) من عام 2022، قرر القضاة تمديد فترة سريان الأمر المؤقت لمدة 6 أشهر إضافية لإتاحة المجال أمام السلطات لفحص إمكانات إعداد خريطة هيكلية للمكان.

تجاهل للخرائط الهيكلية

وأوضح ناشطون حقوقيون أنه خلال السنوات الماضية، بادر أهالي القرية بأنفسهم إلى إعداد خرائط هيكلية، وقد ساعدهم في ذلك معماريون وجمعيات حقوقية إسرائيلية، وقد تم تقديم جميع الخرائط إلى لجان التخطيط البلدية واللوائية، لكنها رفضت جميعها تحت ذرائع مختلفة منها «قيمة المناظر الطبيعية والقيمة البيئية».

شارع التفافي لخدمة المستوطنين

وبينت منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية أن حجج «القيم الطبيعية والبيئية» هي ذرائع تستخدمها السلطات «لمنع البناء وكبح التطوير والتنمية الفلسطينية، وأن هذه القيم لا تؤخذ بعين الاعتبار بتاتاً لدى تطوير المشروع الاستيطاني، فعلى سبيل المثال، شارع الولجة الالتفافي شقته السلطات منذ 25 عاماً في أراضي القرية لكي يستخدمه المستوطنون في الوصول إلى القدس».

وشرحت المنظمة أنه بعدما «جرى وضع اليد على الأرض بموجب أوامر عسكرية ودون خريطة مصدقة عليها، قدم المجلس المحلي لمستوطنة (غوش عتصيون) مؤخراً خريطة هيكلية بهدف تسوية وضع الشارع، لأنها مطلوبة كشرط مسبق لتوسيع مستوطنة «هار جيلو» وبناء 560 منزلاً إضافياً، وسوف تطوق هذه المنازل الاستيطانية قرية الولجة من الناحية الغربية.

وأكدت مصادر محلية أن السلطات الإسرائيلية تقدم الشارع الجديد الذي يدخل جزء منه ضمن نطاق مدينة القدس بوصفه في الخريطة شريان مواصلات رئيسي لخدمة «الشريحتين السكانيتين» في المستقبل.

واستدركت المصادر قائلة إن أهالي الولجة لن يستطيعوا الاستفادة منه عملياً لأنه يحظر عليهم الوصول إلى القدس عبر هذا الشارع، كذلك لم تكترث السلطات الإسرائيلية لأمر المس بالسناسل الأثرية التي تميز المنطقة عندما شرعت في بناء جدار الفصل في عام 2011.

وتسبب جدار الفصل الخرساني الذي يصل ارتفاعه حتى 9 أمتار في منع أهالي القرية من الدخول والخروج إلا عبر مسلك واحد، كما عزل السكان عن أراضيهم الزراعية التي تنمو فيها كروم الزيتون واللوز، ولم يعد يسمح للأهالي حالياً بدخولها سوى بتنسيق مسبق وخلال موسم قطاف الزيتون فقط، وذلك عبر بوابة واحدة توجد في بيت جالا المجاورة.

كما أوضح السكان أن جدار الفصل قضى أيضاً على تربية المواشي في القرية إذ تقلصت بسببه أراضي المرعى ومنع الوصول إلى عيون الماء الموجودة في أراضي القرية التي عزلها الجدار، إضافة إلى هذا كله، خلق الجدار أزمة تصريف مياه الأمطار التي عززت الأضرار على السناسل الأثرية.

ثلاثة أجيال ممنوعة من البناء

وأشارت الكاتبة الإسرائيلية نعومي زوسمان، التي كانت شاهدة على الهدم، إلى أن «ثلاثة أجيال لم يسمح خلالها لأحد ببناء بيته بشكل قانوني على أرضه وأرض أجداده، رغم أنه لا أحد ينفي ملكيته لهذه الأرض، وكل من يتجرأ على بناء بيت من دون ترخيص يعرف أنه يخاطر، لكنه يعرف أيضاً أنه لا يوجد أي خيار أمامه، فالحياة تستمر والبيت ضروري للسكن».

وأضافت زوسمان أن القوات المكلفة بالهدم دمرت هيكل مبنى من طابقين كان معداً لـ 4 شقق بشكل كامل، بما في ذلك كل الألواح الخشبية التي كانت موجودة استعداداً لبناء الحيطان الداخلية، لقد اجتاحوا كل شيء، سحقوه، مزقوه ودمروه، وخلال ساعات العمل هناك جلست عائلات في بيوتها، الصغار والكبار، وهم في حالة خوف شديد، صحيح أن بيوتهم نجت بشكل مؤقت، لكن من يعرف إلى أين سيذهبون بعد ذلك؟».