تعيد الحرب الدائرة في جنوب لبنان تشكيل الجغرافيا والذاكرة لدى أبنائه، حيث لم تعد أسماء الأماكن مجرد تعريفات جغرافية، بل تحولت إلى مفردات مرتبطة بالخوف والنزوح، وذلك بعد أن انتقلت الخطوط والنقاط العسكرية من الخرائط إلى صميم الحياة اليومية.
قبل سنوات، كان نهر الليطاني معلما طبيعيا، ولم يكن الكثيرون يعرفون وادي الحجير أو ما يسمى بـ«الخط الاصفر»، أما اليوم فقد ارتبطت هذه الأسماء بالمعارك والحدود، لتصبح امتدادا لمفردات أخرى مثل «الشريط الحدودي» و«الحزام الامني» التي ظهرت خلال الاحتلال الاسرائيلي بين عامي 1978 و2000، حيث يكتسب تغيير أسماء الأماكن أبعادا تتجاوز الجغرافيا.
الخطوط لغة يومية
وقال أحد أبناء القرى الحدودية إن الحديث عن الحروب أو أي مشاريع إسرائيلية تتعلق بالمناطق الحدودية لا يقتصر على الخسائر المادية أو الآثار النفسية المباشرة، بل يتجاوز ذلك إلى العلاقة العميقة بين الإنسان ومكانه وذاكرته وجغرافيته.
واضاف ان الحديث عن «الخط الاصفر» أو ما كان يعرف بـ«الشريط الحدودي» قبل عام 2000، لا يقتصر على خط على الخريطة، بل هو تعبير عن حالة كاملة من العزل والاغتراب القسري التي عاشها الناس لسنوات طويلة.
وأشار إلى أنه عاش تلك المرحلة بنفسه، قائلا: «كان هناك شعور دائم بأنك معزول عن عمقك اللبناني، وكأنك تعيش في مساحة منفصلة عن بلدك، فالناس الذين كانوا خلف ذلك الخط كانوا معرضين للتنكيل والاعتقال والضغط اليومي، وكانت حياتهم كلها معلقة على الخوف والترقب، وكان هناك سؤال دائم يرافق الجميع: متى تنتهي هذه المرحلة؟ ومتى يشعر الإنسان بأنه يعيش حياة طبيعية؟».
ولفت إلى أن آثار تلك المرحلة لم تقتصر على من بقي داخل المنطقة المحتلة، بل طالت أيضا من اضطروا إلى مغادرتها، موضحا أن «هناك مَن عاش المعاناة داخل المنطقة، وهناك من عاشها خارجها، وهو يحمل رغبة العودة طوال الوقت، فالجميع كان يشعر بأن جزءا منه معلق هناك».
وتحدث مواطن جنوبي آخر عن بعض المشاهد التي ما زالت حاضرة في ذاكرته، مبديا قلقه من المرحلة المقبلة، وقال: «حتى في تشييع الوفيات كانت المعاناة حاضرة، كانوا يصلون بالجنازات إلى تبنين، فيما لا يستطيع كثيرون الدخول، وأحيانا كان يسمح لكبار السن فقط بمرافقة الجنازة بينما يعود الآخرون»، مؤكدا أن «هذه ليست مجرد تفاصيل صغيرة، بل ذاكرة كاملة من القهر والاقتلاع».
ومن هنا يرى أن المخاوف الحالية من أي حديث عن أحزمة أمنية أو مناطق عازلة تعيد استحضار تلك الذاكرة مجددا، لكنه يرى أن المشهد اليوم يبدو أكثر قسوة، موضحا أن «هذه المرة الوضع أصعب بكثير، لأننا لا نتحدث فقط عن منطقة مغلقة أو محتلة، بل عن قرى جرى تدميرها وتجريفها بالكامل، وجرى محو البيوت والمؤسسات وأماكن العبادة والمعالم التي تربط الناس بذاكرتهم وحياتهم اليومية».
وقال: «الصدمة اليوم أعمق من السابق، فبعد التحرير عام 2000 عاد الناس إلى قراهم وبيوتهم، أما اليوم فالخوف أن يعود الناس إلى مناطق لم تعد تشبه نفسها»، واضاف: «عندما يفقد الإنسان الساحة التي اعتاد الجلوس فيها، والحسينية أو الكنيسة أو المسجد أو حتى الشوارع التي يعرفها، يصبح كأنه فقد جزءا من ذاكرته وهويته، فاليوم لم يعد الناس يبحثون فقط عن بيوتهم، بل باتوا يبحثون عن ملامح قراهم نفسها».
وفي هذا السياق، قال المعالج النفسي داود فرج إن «مصطلح (المنطقة الصفراء) لا يعبر عن مساحة جغرافية أو توصيف أمني وعسكري فحسب، بل يحمل دلالات نفسية واجتماعية أعمق ترتبط بإعادة تشكيل علاقة الإنسان بالمكان»، موضحا أن «الألوان والرموز والتسميات ليست أمورا محايدة، بل تشكل جزءا من الذاكرة والانتماء والوعي الجمعي».
واضاف أن «الجنوب شهد عبر العقود الماضية تبدلا في توصيف مناطقه الحدودية من (المنطقة العازلة) إلى (الشريط الحدودي) و(الحزام الامني)، وصولا إلى ما بات يوصف اليوم بـ(المنطقة الصفراء)، حيث تعكس كل تسمية تحولا في طبيعة الواقع المفروض على الأرض».
اللون يتحول إلى ذاكرة
واضاف فرج: «اللون الاصفر هنا لا يرتبط فقط بخريطة أو نطاق عسكري، بل يتحول إلى رمز لمنطقة أزيلت منها الحياة البشرية وتحولت إلى مساحة فارغة من الناس»، مشيرا إلى أن «الخطورة تكمن في أن هذه المنطقة لا تبدو ثابتة الحدود، بل تتسع كلما توسعت عمليات التدمير وإزالة معالم الحياة من القرى والبلدات».
وأوضح أن ما يحدث اليوم «يتجاوز حدود الدمار المادي والعمليات العسكرية التقليدية، ليصل إلى مستوى أعمق يمس البنية النفسية والذاكرة الجمعية للسكان»، موضحا أن «الإنسان يبني علاقته بالمكان عبر ما يعرف بـ(الذاكرة الانطباعية)، وهي الصورة الأخيرة التي يحتفظ بها عن المكان الذي عاش فيه، وتتحول مع الوقت إلى مرجع نفسي وعاطفي دائم»، وأوضح أن «المهجرين يحملون معهم دائما تلك الصورة الأخيرة لبيوتهم وأحيائهم وقراهم، وتبقى حاضرة في ذاكرتهم حتى بعد مغادرتهم المكان».
وأشار إلى أن المشكلة تبدأ عندما يتغير الواقع على الأرض بصورة جذرية من دون أن تتشكل لدى الفرد صورة جديدة عنه، لافتا إلى أن «كثيرين ما زالوا يعيشون على صورة الجنوب كما تركوه، بينما بدأ آخرون في تكوين صور جديدة من خلال الخرائط الجوية والمشاهد المتداولة للقرى المدمرة، الأمر الذي قد يخفف من عنصر الصدمة عند العودة».
ورأى فرج أن ما يجري لا يقتصر على تدمير المنازل والمنشآت، بل يطال البنية الجغرافية ذاتها، قائلا إن «الطرقات تتغير، والمعالم تختفي، وحتى الحدود المكانية التي اعتاد الناس التعرف من خلالها إلى مناطقهم قد تتبدل».
وتابع: «البيت ليس مجرد جدران، والقرية ليست مجموعة أبنية، بل هما جزء من ذاكرة اجتماعية متراكمة، وحين تزال هذه المعالم يصبح الناس أمام واقع جديد يفرض عليهم بناء ذاكرة جديدة مختلفة عن تلك التي عاشوا عليها»، محذرا من أن «الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة تشكيل المكان، بل في إعادة تشكيل الوعي المرتبط به».
-
-
تفشي الجرب يهدد صحة الأسرى في سجون الاحتلال2026-05-24 -
-
-
