يثير معدن الكروميوم اهتماما واسعا في مجال المكملات الغذائية، اذ يسوق له على انه قد يساهم في تنظيم مستويات السكر في الدم، وتحسين استجابة الجسم للانسولين، بالاضافة الى امكانية دعمه لعملية انقاص الوزن.
لكن، بينت الدراسات العلمية ان الصورة اكثر تعقيدا، ففي حين تشير بعض الابحاث الى فوائد محتملة، تؤكد اخرى ان الادلة لا تزال غير قاطعة، وتنبه الى ان استخدامه لا يجب ان يكون بديلا عن العلاج الطبي او اتباع نمط حياة صحي.
ما هو الكروميوم؟
الكروميوم هو عنصر معدني يحتاجه الجسم بكميات ضئيلة جدا، ويعرف بشكل رئيسي بدوره المحتمل في عمليات التمثيل الغذائي للكربوهيدرات والدهون والبروتينات، خاصة من خلال علاقته بهرمون الانسولين، وهو الهرمون الذي يساعد الخلايا على استخدام الجلوكوز الموجود في الدم.
لكن من الضروري التمييز بين نوعين رئيسيين من الكروميوم:
- الكروميوم الثلاثي: وهو الشكل الموجود في الاطعمة والمكملات الغذائية، ويعتبر الشكل المرتبط بالوظائف الحيوية في الجسم.
- الكروميوم السداسي: وهو شكل صناعي سام ومسرطن، يوجد غالبا في بعض الاستخدامات الصناعية مثل الطلاء ودباغة الجلود، ولا علاقة له بالمكملات الغذائية الامنة عند استخدامها ضمن الحدود الموصى بها.
لذلك، فعندما نتحدث عن فوائد الكروميوم للجسم، فاننا نقصد الكروميوم الثلاثي، وليس الشكل الصناعي السام.
اين يتوفر الكروميوم في الغذاء؟
يمكن الحصول على الكروميوم من مصادر غذائية متنوعة.
من ابرز هذه المصادر:
- عصير العنب.
- بلح البحر والمحار والروبيان.
- خميرة البيرة.
- عصير البرتقال.
- الجوز البرازيلي.
- خبز القمح الكامل وخبز الجاودار.
- التمر المجفف.
- الكمثرى.
- البروكلي.
وتجدر الاشارة الى ان مقدار الكروميوم في الطعام يختلف بحسب نوع الغذاء، وطريقة الزراعة، والتصنيع، والتخزين.
كيف يؤدي الكروميوم وظيفته في الجسم؟
تعتمد الفكرة الاساسية حول الكروميوم على انه قد يعزز من كفاءة الانسولين في اداء وظيفته، اذ تشير بعض الدراسات الى ان الكروميوم يساهم في تنشيط مستقبلات الانسولين الموجودة على سطح الخلايا، مما قد يحسن دخول الجلوكوز الى الخلايا ويقلل مستواه في الدم.
واضافت الدراسات انه على الرغم من اهمية هذه الالية النظرية، الا ان النتائج العلاجية ليست مضمونة، حيث ان الدراسات السريرية التي اجريت على البشر لم تتوصل حتى الان الى اتفاق واضح حول حجم الفائدة، او الفئات التي قد تستفيد اكثر، او الجرعة والشكل الامثل من المكملات.
مكملات الكروميوم.. اي شكل هو الاكثر شيوعا؟
تتوفر مكملات الكروميوم بصيغ متعددة.
من بين ابرز هذه الصيغ:
- بيكولينات الكروم.
- نياسينات الكروم.
- نيكوتينات الكروم.
- كلوريد الكروم.
- ميثيونين الكروم.
- هيستيدينات الكروم.
ويعتبر بيكولينات الكروم الشكل الاكثر شيوعا في المكملات، كما انه حظي بالنصيب الاكبر من الدراسات، خاصة فيما يتعلق بالسكري، ومقاومة الانسولين، وتكيس المبايض، والوزن.
واكدت الدراسات انه مع ذلك، فان انتشار بيكولينات الكروم لا يعني بالضرورة انه الخيار الافضل دائما لكل شخص، لان امتصاص الكروميوم وتاثيره قد يختلفان تبعا للتركيبة، والجرعة، والحالة الصحية، والنظام الغذائي، والادوية المستخدمة.
ما هي الجرعة الامنة من الكروميوم؟
تشير بعض الجهات العلمية الى ان الكمية اليومية الامنة من الكروميوم الثلاثي تقع في نطاق يتراوح بين عشرات ومئات الميكروغرامات يوميا، كما اوصت منظمة الصحة العالمية بان الحد الاعلى المسموح به من الكروميوم كمكمل غذائي يجب الا يتجاوز 250 ميكروغراما يوميا.
واستدركت الجهات العلمية موضحة ان بعض الدراسات قد استخدمت جرعات اعلى، وصلت الى 1000 ميكروغرام يوميا، وهذا يعتبر احد اسباب صعوبة تعميم النتائج، نظرا لاختلاف الجرعات والمدة وانواع المكملات بشكل كبير بين الدراسات المختلفة.
لذلك، بينت الجهات العلمية انه لا ينصح بتناول مكملات الكروميوم بجرعات مرتفعة او لفترات طويلة دون استشارة الطبيب، خاصة بالنسبة للافراد الذين يعانون من امراض الكلى او الكبد، او يتناولون ادوية لعلاج السكري.
الكروميوم ومرض السكري
يعتبر مرض السكري من النوع الثاني من اكثر المجالات التي تم فيها دراسة الكروميوم، حيث بحثت العديد من التجارب والمراجعات العلمية فيما اذا كانت مكملاته قادرة على تحسين سكر الدم الصيامي، والسكر التراكمي، ومقاومة الانسولين.
واظهرت بعض الدراسات ان مكملات الكروميوم قد تساهم في تحسين بعض المؤشرات.
وتشمل هذه المؤشرات:
- سكر الدم الصيامي.
- السكر التراكمي HbA1c.
- مقاومة الانسولين.
- بعض مؤشرات الدهون في الدم.
وقد ظهرت هذه الفوائد بشكل خاص في الدراسات التي استمرت من شهرين الى ستة اشهر.
وبينت الدراسات انه في المقابل، وجدت مراجعات اخرى ان تاثير الكروميوم محدود او ضعيف، وان الادلة لا تكفي لاعتماده كعلاج واضح لمرض السكري، ويعزى هذا التباين الى عدة عوامل، منها اختلاف الجرعات، واختلاف اشكال الكروميوم، وصغر حجم بعض الدراسات، وعدم ضبط عوامل مهمة مثل الغذاء، والنشاط البدني، والادوية، والتوتر.
وبناء على ذلك، فقد يكون للكروميوم دور مساعد لدى بعض مرضى السكري، الا انه لا يعتبر علاجا بديلا، ولا ينبغي استخدامه لتعديل جرعات ادوية السكري دون اشراف طبي.
الكروميوم ومقاومة الانسولين
تشير بعض التحليلات الحديثة الى ان مكملات الكروميوم قد تحسن مقاومة الانسولين، خاصة لدى مرضى السكري من النوع الثاني او الاشخاص في مرحلة ما قبل السكري، وقد ظهر هذا التاثير في بعض الدراسات من خلال تحسن مؤشر HOMA-IR وسكر الدم الصيامي.
واكدت التحليلات ان الصورة ما زالت غير محسومة، حيث ان دراسات اخرى لم تجد تحسنا واضحا في حساسية الانسولين بعد استخدام الكروميوم، كما ان ادارة الغذاء والدواء الامريكية كانت قد اشارت سابقا الى ان العلاقة بين بيكولينات الكروميوم وتقليل خطر مقاومة الانسولين او السكري من النوع الثاني لا تزال غير مؤكدة، وان الادلة العلمية غير كافية.
اذن، فالكروميوم قد يساعد بعض الافراد على تحسين مؤشرات مقاومة الانسولين، الا انه لا يمكن اعتباره علاجا مثبتا او مناسبا للجميع.
الكروميوم ومتلازمة تكيس المبايض
غالبا ما ترتبط متلازمة تكيس المبايض بمقاومة الانسولين واضطرابات الدهون والهرمونات، لذلك فقد اهتمت بعض الدراسات بدور الفيتامينات والمعادن، ومن بينها الكروميوم، في تخفيف بعض الاعراض.
واظهرت مراجعات علمية ان مكملات الكروميوم، وتحديدا بيكولينات الكروم بجرعة 200 ميكروغرام في بعض الدراسات، قد تساهم في تحسين بعض المؤشرات لدى المصابات بتكيس المبايض.
وتشمل هذه المؤشرات:
- خفض مستويات الانسولين.
- تحسين حساسية الانسولين.
- تحسين بعض مؤشرات الدهون.
- التاثير في بعض الهرمونات المرتبطة بالاباضة.
- دعم فرص حدوث الاباضة والحمل في بعض الحالات.
الا ان هذه النتائج لا تزال بحاجة الى دراسات اكبر واكثر دقة، لان عدد الدراسات التي قارنت الكروميوم مباشرة بادوية مثل الميتفورمين كان محدودا، كما اختلفت الجرعات ومدة الاستخدام بين دراسة واخرى.
اذن، فالنتائج واعدة، الا انها لا تكفي لجعل الكروميوم بديلا لادوية تكيس المبايض او الخطة العلاجية التي يحددها الطبيب.
الكروميوم وخسارة الوزن
يروج البعض للكروميوم على انه مكمل يساعد على حرق الدهون وتقليل الشهية، وتستند هذه الفكرة الى احتمال تاثيره في حساسية الانسولين، وتنظيم الشهية، وبعض النواقل العصبية المرتبطة بالرغبة في تناول الطعام.
لكن الادلة المتاحة لا تدعم هذه الفكرة بقوة، فقد اظهرت مراجعة لتجارب سريرية اجريت على اشخاص يعانون من زيادة الوزن او السمنة ان بيكولينات الكروميوم قد يؤدي الى انخفاض محدود جدا في الوزن، بلغ حوالي 1.1 كيلوغرام مقارنة بالدواء الوهمي بعد عدة اسابيع من الاستخدام.
ويعتبر هذا التاثير بسيطا، كما ان بعض الدراسات ادخلت عوامل اخرى مثل التمارين الرياضية، مما يجعل من الصعب تحديد ما اذا كان فقدان الوزن ناتجا عن الكروميوم نفسه ام عن تغييرات مرافقة في نمط الحياة.
اذن، لا توجد ادلة قوية تجعل الكروميوم مكملا فعالا لخسارة الوزن، وقد يكون تاثيره، ان وجد، محدودا ولا يغني عن النظام الغذائي والنشاط البدني.
هل تعتبر مكملات الكروميوم امنة؟
يعتبر الكروميوم الثلاثي الموجود في الغذاء امنا بشكل عام عند تناوله من مصادر طبيعية، في حين ان المكملات قد تسبب اثارا جانبية لدى بعض الافراد، خاصة عند استخدامها بجرعات عالية او دون اشراف طبي.
من بين الاعراض الجانبية المحتملة:
- الغثيان.
- الاسهال او الامساك.
- الغازات.
- الدوار.
- الصداع.
- الطفح او الشرى.
كما تم تسجيل حالات فردية اكثر خطورة ارتبطت باستخدام مكملات الكروميوم، وشملت اضطرابات في وظائف الكبد والكلى، وانخفاض الصفائح الدموية، وفقر الدم، والتهاب الجلد، وانخفاضا ملحوظا في سكر الدم.
لذلك يجب الحذر بشكل خاص لدى:
- مرضى الكلى.
- مرضى الكبد.
- مرضى السكري الذين يستخدمون ادوية خافضة للسكر.
- الحوامل والمرضعات الا بتوجيه طبي.
- من يتناولون عدة مكملات او ادوية في الوقت نفسه.
هل توجد مخاوف متعلقة ببيكولينات الكروم؟
اثيرت في السابق مخاوف حول احتمال تسبب بيكولينات الكروم في اضرار تاكسدية للحمض النووي، استنادا الى بعض التجارب المخبرية والحيوانية.
لكن تقييمات علمية لاحقة، بما في ذلك تقييمات سلامة اوروبية، اكدت ان استخدام كروم البيكولينات بجرعات لا تتجاوز 250 ميكروغراما يوميا يعتبر امنا ضمن الحدود المسموح بها.
ومع ذلك، تبقى الحاجة قائمة الى مزيد من الدراسات طويلة الامد، خاصة عند الاستخدام المزمن او بجرعات مرتفعة.
متى يجب استشارة الطبيب؟
ينبغي استشارة الطبيب قبل تناول مكملات الكروميوم في الحالات التالية:
- وجود سكري او استخدام ادوية للسكر.
- وجود امراض في الكبد او الكلى.
- الحمل او الرضاعة.
- استخدام ادوية مزمنة.
- الرغبة في تناوله لعلاج تكيس المبايض او مقاومة الانسولين.
- استخدام جرعات اعلى من الجرعات المعتادة.
فالكروميوم قد يخفض سكر الدم لدى بعض الافراد، وقد يتداخل مع خطة علاج السكري، لذلك لا ينصح بتناوله بشكل عشوائي.
اذن، قد يكون للكروميوم دور في دعم عمل الانسولين واستقلاب الجلوكوز، الا ان الادلة العلمية لا تزال متباينة، والنتائج لا تسمح بالتعامل مع الكروميوم كعلاج مستقل او بديل للادوية.
لذلك، يبقى افضل استخدام له تحت اشراف طبي، وضمن جرعات امنة، ومع فهم واضح بانه مكمل محتمل الفائدة لبعض الحالات، وليس حلا سحريا لضبط السكر او انقاص الوزن.





