مراهنات على الحرب: كيف تحولت اسرار عسكرية لاموال طائلة؟

مراهنات على الحرب: كيف تحولت اسرار عسكرية لاموال طائلة؟

ظهر نوع جديد من المراهنات الرقمية خلال الأشهر القليلة الماضية، وقد سهلت ذلك تطبيقات المراهنة الرقمية، لكن بدلا من المراهنة على نتائج المباريات أو الطقس، وجد البعض ضالته في المراهنة على الحروب والأحداث العالمية.

وتفاقمت أزمة المراهنة على الحروب مع ظهور مجموعة من المضاربين الذين يمتلكون معلومات سرية وداخلية حول خطط الحكومة الأمريكية القادمة، وباستخدام هذه المعلومات، يراهنون على أحداث معينة، ويحققون الفوز في هذه الرهانات، وذلك وفقا لتقرير شبكة "سي بي إس" الإخبارية الأمريكية.

وبرزت منصة "بولي ماركت" الشهيرة والمتخصصة في تنظيم المراهنات الرقمية مؤخرا، حيث ضمت المنصة عددا كبيرا من المراهنات المختلفة المتعلقة بالعمليات العسكرية لجيش الولايات المتحدة، بدءا من اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وصولا إلى الحرب على ايران، ولم يقتصر الأمر على مجموعة من المعلومات العامة التي يمكن للخبراء استنتاجها وتوقعها، بل امتد الأمر إلى تفاصيل دقيقة حول موعد الهجمات وآليات تنفيذها.

سوق المراهنات يتجاوز المليار دولار

ويكشف تقرير "سي بي إس" أن حجم سوق المراهنات على العمليات العسكرية الأمريكية تجاوز المليار دولار في الأشهر الأخيرة، وشملت المراهنات اعتقال مادورو ومجريات الحرب على ايران، بما في ذلك موعد الهجمات المباشرة عليها وآليات الردع، وحتى مصير بعض القادة السياسيين حول العالم.

وفي سياق متصل، كشف تقرير اخر من الشبكة عن وجود 9 حسابات حققت أرباحا تجاوزت 2.4 مليون دولار من خلال منصة "بولي ماركت"، وذلك عبر المراهنة على العمليات العسكرية للجيش الأمريكي فقط دون الدخول في أي رهانات أخرى، إلى جانب تحقيقها نسبة ربح تجاوزت 98% في أكثر من 80 رهانا.

وأوضح نيكولاس فايمان، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة "بابل مابز" والمتخصصة في تحليل الأنماط في منصة "بولي ماركت" للمراهنات، أن ما يحدث في حالة رهانات الحرب هو نمط متصل ومترابط وليس حوادث فردية، وأضاف أن "هذا النمط الأكثر جنونا الذي وجدناه حتى الان، ولا يمكن للحظ وحده تفسيره".

وتعتبر تجربة غانون كين فان دايك، الرقيب الأول في الجيش الأمريكي، مثالا واضحا على ما قد يحدث في حالة امتلاك معلومات داخلية حول العمليات العسكرية المستقبلية وكيفية تحقيق الأرباح منها، إذ اعتمد فان دايك على خدمات "في بي إن" التي تخفي بيانات الاتصال الخاصة به، ثم أجرى مجموعة من الرهانات بلغ مجموعها 34 ألف دولار، وكان من ضمنها 6 رهانات في اليوم الذي سبق عملية اعتقال نيكولاس مادورو التي شارك فان دايك فيها.

وبسبب هذه الرهانات، حقق فان دايك أرباحا تجاوزت 400 ألف دولار، مما دفع وزارة العدل لتوجيه مجموعة من التهم الاتحادية ضده، وهي التهم التي أنكرها جميعا ودفع ببراءته منها، حسب تقرير "سي بي إس".

ويرى المحامي الأمريكي المستقل روب شوارتز، والذي كان يعمل في لجنة تداول السلع الآجلة، أن استخدام المعلومات السرية العسكرية للمراهنة على الأحداث وتحقيق الأرباح يندرج تحت مظلة التجارة الداخلية، مثل استخدام المعلومات السرية للشركات التي يدينها القانون الأمريكي ويعتبرها من الجرائم.

ويكشف تقرير نشرته صحيفة "ذا كونفرسيشن" الأسترالية في ابريل الماضي أن سوق المراهنات على الحرب ازدهر بشكل كبير تزامنا مع بدء الحرب على ايران، ويؤكد التقرير أن هذا السوق يعتمد بشكل أساسي على منصة "بولي ماركت" الرقمية.

كيف تحافظ بولي ماركت على السرية؟

في يوليو 2024، وصلت أرباح منصة "بولي ماركت" إلى نحو 400 مليون دولار عقب سنوات من التواجد في أسواق التوقع والمراهنات الرقمية، حسب تقرير منفصل من صحيفة "غارديان" البريطانية.

ولكن مع بدء الحرب على ايران، تضخمت قيمة المنصة بشكل كبير لتصل إلى أكثر من 15 مليار دولار، مع تزايد حجم عمليات التداول عليها بشكل كبير لتصل إلى نحو مليار دولار في الأسبوع بحلول يونيو الماضي، مع استثمار مجموعة من الصناديق الاستثمارية البارزة في الشركة، بما فيها الصندوق الاستثماري التابع لبيتر ثيل، رجل الأعمال الأمريكي وأحد المقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فضلا عن الشركة المالكة لبورصة نيويورك "إنتركونتيننتال إكستشينج" التي استثمرت أكثر من 600 مليون دولار، حتى اليوم، وفق تقرير "غارديان".

وتوجد العديد من المنصات الأخرى التي تعمل في قطاع المراهنات الرقمية، ولكن "بولي ماركت" تمتلك مجموعة من المزايا الفريدة التي جعلتها جاذبة للمستخدمين بشكل كبير، وفي مقدمتها الشفافية والسرية التامة، إذ تحافظ المنصة على سرية المشاركين في المراهنات المختلفة عليها، رغم أنها توضح كافة البيانات والمعلومات المتعلقة بالرهان، حسب تقرير "سي بي إس".

وتعتمد المنصة على العملات الرقمية لتتيح لمستخدميها دفع الرهانات وسحب أرباحهم بشكل مباشر من داخل المنصة، حسب تقرير "غارديان"، وهذا يجعل تتبع الأموال أمرا صعبا بعض الشيء في مختلف الدول حول العالم.

وتستخدم المنصة واجهة بسيطة لوضع الرهان، وفي كثير من الحالات يتم طرح سؤال المراهنة مع صندوق صغير يطلب من المشارك اختيار نعم أو لا، ويمكن لأي شخص المشاركة ووضع الرهان بشكل مجهول والحفاظ على هويته سرية حتى لا يطلع عليها بقية المستخدمين.

وبالتالي، يمكن لأي شخص في أي مكان بالعالم وضع رهانه على منصة "بولي ماركت"، إذ يصعب تتبعه والوصول إليه دون طلب ذلك من الشركة المالكة للمنصة بشكل مباشر والحصول على الموافقات والتصاريح اللازمة لمثل هذا الأمر.

ودفع هذا الشركة للتأكيد في بيان رسمي بأنها ستعمل جاهدة لكشف هوية الحسابات التسعة التي تربحت من العمليات العسكرية الأمريكية في الآونة الأخيرة من خلال المنصة، حسب تقرير "سي بي إس"، وذلك لأن القانون الأمريكي يجرم وضع رهانات على العمليات العسكرية.

من يتحكم في سوق الرهانات؟

يؤكد تقرير "غارديان" أن عددا من الشركات الاستثمارية بدأت في الاعتماد على البيانات التي تنتجها المنصة بناء على توقعات المستخدمين بداخلها، لدرجة أن بنوكا مثل "غولدمان ساكس" تشير إلى نتائج "بولي ماركت" فيما يتعلق بالصراع الأمريكي الايراني، وكذلك بورصة "ناسداك" التي قررت الاعتماد على آلية مماثلة في مؤشرها.

ويتجه بعض المراهنين إلى حلول أكثر شراسة وعنف، ومن بينهم المراهنون الذين هددوا صحفيا اسرائيليا لتغيير تصريحاته حول حجم الضرر الذي تسببت به الهجمات الايرانية على اسرائيل لضمان أرباحهم.

ويطرح هذا الاهتمام تساؤلا محوريا حول من يتحكم في الرهانات الموجودة داخل المنصة ويجعل المستخدمين يطاردون أحلامهم بالثراء، فإذا كان البعض قادرا على الوصول إلى معلومات سرية عن الإجراءات العسكرية الأمريكية المقبلة، فإنه سيكون قادرا على نقل هذه المعلومات وترجمتها بشكل مباشر داخل المنصة إلى مراهنات يتبعها الملايين.