رقائق الدماغ ثورة في وادي السيليكون وصراع للسيطرة على العقول

رقائق الدماغ ثورة في وادي السيليكون وصراع للسيطرة على العقول

تتجاوز التكنولوجيا الحيوية اليوم حدود تيسير الحياة اليومية لتقتحم الحصون الأكثر خصوصية في الكيان البشري، حيث لم يعد العقل البشري مجرد منبع للافكار والمشاعر، بل تحول في نظر عمالقة وادي السيليكون الى منجم للبيانات الخام الاستثنائية التي تسعى الشركات الكبرى لوضع اليد عليها.

هذا التطور في مجال التكنولوجيا ياتي وسط تحذيرات متصاعدة من تحول البشرية الى مجرد "حيوانات اليفة" للالات او للمليارديرات الذين يملكونها.

الانسان المعزز

وفي تقرير مطول نشرته مجلة بوليتيكو الامريكية، سلط المراسل الصحفي كالدر مكهيو الضوء على الطموحات المتزايدة لشركات التقنية لدمج الذكاء الاصطناعي بالدماغ البشري عبر رقاقات الكترونية، وما يرافق ذلك من صراعات سياسية وقانونية محتدمة حول خصوصية "البيانات العصبية" ومستقبل الجنس البشري.

واستعرض التقرير تصاعد الاستثمارات في تقنيات الواجهات الدماغية الحاسوبية (BCI)، وهي الشرائح او الاجهزة القادرة على ربط الدماغ مباشرة بالحواسيب او انظمة الذكاء الاصطناعي.

ويقول التقرير إن الفكرة التي بدت يوما اقرب الى الخيال العلمي اصبحت عقيدة رائجة داخل وادي السيليكون، حيث يروج عدد من كبار المستثمرين والمديرين التنفيذيين لفكرة "الانسان المعزز" باعتبارها مستقبل البشرية.

واستهل الكاتب تقريره بما دار في مؤتمر "تيد 2026" (TED 2026) الذي عقد بمدينة فانكوفر في كندا الشهر المنصرم، حيث تحدث دي سكوت فينيكس، المستثمر والرئيس التنفيذي السابق لشركة فيكاريوس، قائلا إن الناس سيقاومون زرع الشرائح الدماغية في البداية، "مثلما قاوموا من قبل الهواتف الذكية"، لكنهم في النهاية سيخضعون لها بسبب ما توفره من مزايا تنافسية.

واضاف: "نحن على اعتاب التحول الكبير التالي الذي يتمثل في اندماج البشر والذكاء الاصطناعي".

ويشير التقرير الى ان هذه الرؤية تلقى دعما من شخصيات نافذة في قطاع التكنولوجيا، من بينها الرئيس التنفيذي لشركة (اوبن ايه اي) سام التمان، الذي سبق ان قال إن "الاندماج" مع الذكاء الاصطناعي قد يكون افضل فرصة لبقاء البشر، بينما يدافع الملياردير بيتر ثيل علنا عن مفهوم "ما بعد الانسانية".

النفط الخام الجديد

ورغم ان التكنولوجيا الحيوية لربط الدماغ بالكمبيوتر (BCI) لا تزال في مراحلها الاولى، فان التدفقات المالية الضخمة تعكس جدية المستثمرين، حيث يتوقع ان يصل حجم سوق الواجهات الدماغية الحاسوبية الى 1.2 مليار دولار بحلول عام 2035، بينما تشير تقديرات مؤسسة "الحقوق العصبية" (Neurorights Foundation) الى ان حجم سوق التكنولوجيا العصبية الاوسع قد يصل الى 52 مليار دولار بحلول عام 2032.

ويوضح مكهيو في تقريره ان التطبيقات الحالية لهذه التقنية تتركز في المجال الطبي، مثل حالة نولاند اربو، اول انسان يخضع لزراعة شريحة (نيورالينك) المملوكة لايلون ماسك، والذي تمكن من التحكم في الكمبيوتر بعقله رغم اصابته بالشلل الرباعي.

لكن الخطر الاكبر، وفق التقرير، لا يكمن في الشرائح المزروعة وحدها، بل في البيانات العصبية التي تجمعها بالفعل اجهزة قابلة للارتداء مثل الساعات الذكية ونظارات الواقع المعزز واجهزة تتبع النوم والتوتر، دون ضوابط واضحة.

فهذه البيانات، التي تكشف انماط التفكير والانفعالات والسلوك، قد تتحول الى اكثر الموارد قيمة في الاقتصاد الرقمي المقبل.

وينقل الكاتب عن المديرة العامة السابقة لمنظمة اليونسكو، اودري ازولاي، تشبيها بليغا للوضع الراهن نشرته في صحيفة فاينانشال تايمز، حيث كتبت: "اذا كانت البيانات هي نفط القرن الــ21، فان بيانات الدماغ هي النفط الخام، وعلينا ان نحرسها بمزيد من الغيرة والحرص".

بيانات البشر العصبية للبيع

اثار هذا التكالب التجاري على اسرار العقل البشري ردود فعل تشريعية داخل الولايات المتحدة، حيث بدات ولايات مثل كولورادو وكاليفورنيا وكونيتيكت ومونتانا بتعديل قوانين الخصوصية لتشمل حماية البيانات الصادرة عن الجهاز العصبي، كما طرح "قانون العقل" (MIND Act) على المستوى الفيدرالي لدراسة كيفية تنظيم هذه البيانات.

وفي سياق متصل، يبدي المدافعون عن الحقوق العصبية قلقا عميقا من الفلسفة الملتوية التي تروج لضرورة دمج البشر بالالة للنجاة.

فقد علقت سوزان شنايدر، مديرة مركز مستقبل الذكاء الاصطناعي والعقل والمجتمع في جامعة فلوريدا اتلانتيك، واصفة هذا المنطق بالمنحرف، ومؤكدة على ضرورة تطوير الذكاء الاصطناعي بطريقة تحمي الخصوصية وتعزز الازدهار البشري.

وحذرت من العواقب الكارثية قائلة: "بيانات التفكير هي البيانات الاكثر حميمية وخصوصية على الاطلاق، واذا تمكنت المنصات المسيئة من السيطرة على بيانات تفكيرنا واساءة استخدامها لتوجيه سلوكنا دون علمنا، فسنكون قد دمرنا افاق التطور البشري ذاتها".

في المقابل، تختلف الاراء القانونية والعلمية حول الية المواجهة؛ فبينما يرى الخبراء في مؤسسة "الحقوق العصبية" ضرورة وضع ضوابط مرنة لا تخنق الابتكار، تطالب نيتا فاراهاني، استاذة القانون والفلسفة في جامعة ديوك، بوضع قوانين خاصة ومنفصلة لبيانات الدماغ لكونها تكشف عن اعمق مشاعر الانسان وافكاره.

وعلى النقيض من ذلك، تجد شركات التقنية مثل "كيرنل" (Kernel) التي تبحث عن مستخدمين يقبلون بمشاركة بياناتهم العصبية مقابل تعويض مالي، ان القوانين المحلية المتعددة تعيق الابتكار، مطالبة بتشريعات فيدرالية موحدة يصيغها خبراء متخصصون لا "عشاق الخيال العلمي".

حيوانات اليفة وجسد خالد

ويذهب التقرير الى ان الجدل يتجاوز مسالة الخصوصية نحو سؤال فلسفي اعمق يتعلق بمصير الانسان نفسه، ذلك ان عددا متزايدا من رموز التكنولوجيا يتحدثون علنا عن مستقبل قد لا تبقى فيه الانسانية بصورتها الحالية.

ويستشهد الكاتب بتصريحات للملياردير بيتر ثيل تحدث فيها عن تحويل الجسد البشري الى "جسد خالد"، وكذلك بتصريحات رائد مكافحة الشيخوخة برايان جونسون الذي اعلن ان "العصر الجديد للانسان قد بدا".

ويلفت مكهيو النظر الى ان الهجوم على هذه التوجهات ياتي من مختلف الاطياف السياسية، اذ يعبر المحافظون عن رعبهم من تحول البشر الى "حيوانات اليفة" للالات، بينما يرى التقدميون، مثل السناتور بيرني ساندرز، ان عمالقة التقنية لا ينامون الليل قلقا على العمال، بل يفعلون ذلك ليصبحوا اكثر ثراء وقوة، مما يجعل المعركة القادمة صراعا وجوديا ليس فقط على الخصوصية، بل على هوية الانسانية وجوهرها.

ويختتم الكاتب تقريره المطول بالاشارة الى ان الراي العام الامريكي يتوجس خيفة من الذكاء الاصطناعي، اذ اظهر استطلاع للراي اجرته مجلة بوليتيكو نفسها ان 13% فقط من الامريكيين يعارضون تنظيم هذا القطاع بالكامل.