في سيناريو بات واقعا ملموسا، يمكن لوكيل ذكاء اصطناعي أن يحجز لك موعدا مع طبيب الأسنان، يشتري حذاء يراعي ميزانيتك بعد مقارنة دقيقة، ويلخص أهم الأخبار التقنية والسياسية في الشرق الأوسط، كل ذلك دون أن تفتح متصفحا أو تنقر على رابط.
هذا التحول الجذري يعيد تشكيل علاقتنا بالإنترنت، وينذر بنهاية عصر التصفح التقليدي الذي نعرفه.
من التصفح اليدوي إلى عصر الوكلاء
لعقود طويلة، كان المتصفح هو البوابة الرئيسية للوصول إلى الإنترنت، بدءا من "موزايك" في عام 1993 وصولا إلى "غوغل كروم" الذي يستخدمه اليوم مليارات الأشخاص.
وتلخصت وظيفة المتصفح في العمل وسيطا بين المستخدم والإنترنت، حيث كان المستخدم يدخل الاستعلام، ويتصفح النتائج، وينقر على الروابط، ويقرأ المقالات، ويقارن الأسعار يدويا، ويملأ النماذج بنفسه.
واعتمد هذا النموذج على التفاعل البشري المباشر، مما جعل تجربة الإنترنت استكشافية، لكنها تستهلك وقتا وجهدا كبيرا.
ولكن نشهد حاليا انتقالا إلى عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين ينفذون المهام، ويتحكمون بالمؤشر، وينقرون على الأزرار، ويدخلون النصوص، ويتنقلون بين المواقع بشكل مستقل.
وظهرت في عام 2025 فئة جديدة من المتصفحات تسمى "المتصفحات الوكيلية"، مثل "شات جي بي تي أطلس" من "أوبن إيه آي" و "كوميت" من "بيربليكستي".
ولا يكتفي "المتصفح الوكيلي" بالإجابة عن الأسئلة، إنما يخطط وينفذ المهام المعقدة تلقائيا، عبر خريطة إجراءات يرسم فيها كل خطوة قبل تنفيذها.
ويشمل نطاق عمل الوكلاء مجالات الحياة اليومية، مثل التسوق والسفر والإعلام والصحة، حيث يبحث الوكيل ويقارن ويشتري، ويحجز الرحلات والفنادق، ويعد خططا متكاملة، ويقرأ المقالات ويلخصها، ويحجز المواعيد الطبية ويتابع التذكيرات الدوائية.
وبحسب تقرير "هيومان سكيورتي"، فقد سجل نشاط الوكلاء ارتفاعا بنسبة كبيرة خلال عام واحد، فيما أبدى ما يقارب ثلاثة أرباع المستهلكين استعدادهم للسماح لمتصفحات ذكية باتخاذ قرارات الشراء نيابة عنهم.
وفي اختبارات حديثة، نجحت "المتصفحات الوكيلية" في حجز رحلات طيران كاملة تشمل انتقالات وفنادق، وشراء منتجات من "أمازون" ومواقع تجارية أخرى، وإدارة جداول زمنية يومية تشمل اجتماعات عمل ومواعيد شخصية.
العقل المدبر للتنفيذ
تعد "نماذج الإجراءات الكبيرة" (LAMs) بمثابة القفزة التقنية التي تنقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة التفكير إلى مرحلة التنفيذ، ففي حين تبرع "النماذج اللغوية الكبيرة" (LLMs) في التنبؤ بالكلمة التالية وتقديم المعلومات أو النصائح، فإن "نماذج الإجراءات الكبيرة" صممت لفهم بنية واجهات المستخدم والتحكم بالمؤشر والنقر وإدخال البيانات والتنقل بين المواقع بشكل مستقل.
كما تتميز "نماذج الإجراءات الكبيرة" بقدرتها على رسم خريطة إجراءات وتقسيم المهمة إلى خطوات منطقية متسلسلة وتنفيذ كل خطوة مع التأكد من تفضيلات المستخدم قبل الانتقال للخطوة التالية.
وبينما يحتاج البشر إلى واجهة رسومية للتفاعل مع الموقع، فإن "نماذج الإجراءات الكبيرة" تتعامل مع المواقع كبيانات، وتنجز المهام بسرعة دون الحاجة لتحميل الصور أو العناصر البصرية، وهي قادرة على اتخاذ قرارات لحظية بناء على المتغيرات.
هذا الانتقال من النصيحة إلى التنفيذ هو ما يجعل نموذج الويب التقليدي القائم على الزيارات والإعلانات في مواجهة أزمة حقيقية.
الإعلام الرقمي أمام أزمة وجودية
تعتمد غالبية المواقع على إيرادات الإعلانات المبنية على عدد الزيارات والانطباعات والنقرات والبيانات السلوكية والإحالات، وكانت المواقع تدفع لسنوات طويلة من أجل الظهور في الصفحة الأولى لنتائج بحث محرك "غوغل".
لكن ظهور الوكلاء غير المعادلة، لأنه يقرأ المقال كاملا أو يشتري المنتج دون أن يزور المستخدم الموقع أو يشاهد الإعلانات أو ينقر على الروابط، الأمر الذي أدى إلى تراجع إحالات "غوغل" إلى المواقع بمقدار الثلث خلال عام واحد.
كما ارتبطت ميزة "النبذات باستخدام الذكاء الاصطناعي" (AI Overviews) بانخفاض كبير في الزيارات المحالة من محرك بحث "غوغل".
وعلى سبيل المثال، شهد موقع "بيزنس إنسايدر" انخفاضا في البحث العضوي بنسبة كبيرة، مما اضطره إلى تسريح جزء كبير من موظفيه.
كما فقدت مواقع كبيرة نحو نصف الزيارات القادمة من محركات البحث، ولم تسلم حتى "نيويورك تايمز"، حيث انخفضت حصة البحث العضوي من إجمالي زياراتها.
فيما تكشف المعركة القانونية الدائرة بين "أمازون" و "بيربليكستي" عمق هذا التغيير، حيث أصدرت المحكمة أمرا قضائيا مؤقتا يحظر على "كوميت" الدخول إلى الأقسام المحمية بكلمة مرور لإجراء عمليات الشراء نيابة عن المستخدمين.
ورأت المحكمة أن "كوميت" دخل الحسابات بموافقة المستخدمين، لكن دون الحصول على إذن صريح من "أمازون"، مما أثار تساؤلات قانونية حول حقوق المستخدم وحقوق المنصات.
وتقدر عائدات "أمازون" الإعلانية بمليارات الدولارات سنويا، مما يجعل الإعلانات التي لا يراها الوكيل خسارة فادحة لعملاقة التجارة الإلكترونية.
وداعا لمصطلح "تحسين محركات البحث"
أمام هذا الواقع، لجأ بعض الناشرين إلى الابتكار، حيث أطلقت "واشنطن بوست" منتجا صوتيا مدعوما بالذكاء الاصطناعي قابلا للتخصيص، كما أطلقت "تايم" وكيلا ذكيا يتيح للقراء التفاعل مع محتوى المجلة بلغات متعددة.
فيما تبنى "أمازون" وكلاء ذكاء اصطناعي، مثل "روفوس"، الذي حقق مبيعات إضافية سنوية كبيرة.
وتفيد بيانات بأن الزيارات القادمة من وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى مواقع التجزئة ارتفعت بمقدار كبير خلال موسم تخفيضات مقارنة بالعام السابق.
وإلى جانب ذلك، هناك فرص جديدة، مثل اتفاقيات ترخيص المحتوى مع شركات الذكاء الاصطناعي، وتطوير محتوى مخصص للوكلاء عبر البيانات المنظمة، ونماذج الاشتراك المباشر.
كما يتداول الحديث عن النماذج الإعلانية الجديدة "إعلانات الوكيل" (Agentic Ads) كبديل للإعلانات التقليدية، حيث تدمج الخيارات التجارية مباشرة داخل عملية التخطيط التي ينفذها الذكاء الاصطناعي.
ويتوقع تقرير انخفاض حجم البحث التقليدي بنسبة كبيرة بحلول نهاية عام محدد جراء صعود الوكلاء ومحركات الإجابة الذكية، في مؤشر واضح على أن أزمة الزيارات لم تبلغ ذروتها بعد.
وظهرت مصطلحات جديدة بصفتها التطور الطبيعي للمصطلح التقليدي "تحسين محركات البحث" (SEO).
وتركز هذه المصطلحات على تحسين صياغة المحتوى بشكل مباشر لكي يتوافق مع وكلاء الذكاء الاصطناعي من خلال البيانات المنظمة والقوائم المخصصة والبيانات الوصفية الدقيقة.
مخاطر تسير في ظل الراحة
ورغم المزايا الكبيرة، لا يمكن الحديث عن نهاية عصر المتصفحات التقليدية دون التطرق للمخاطر، مثل الخصوصية وحماية البيانات الشخصية والمسؤولية القانونية عن الأخطاء والتحيزات في تلخيص الأخبار والمعلومات وتقليل التنوع الإعلامي والثقافي.
وعلى صعيد الخصوصية وحماية البيانات الشخصية، فقد وثقت الأبحاث نجاح هجمات ضد "المتصفحات الوكيلية"، التي يستغل فيها محتوى المواقع الضارة قدرة الوكيل للسيطرة على المتصفح.
أما على الصعيد التنظيمي، فإن الأطر القانونية القائمة لا تزال بعيدة عن مواكبة التطور، كما أن الثمن الذي يدفع مقابل الراحة ليس رخيصا، إذ تحتفظ الشركات المطورة للوكلاء بالمدخلات والمخرجات كاملة.
ولا يختلف المشهد في الشرق الأوسط عن سياقه العالمي، إذ تتوقع تسجيل نمو كبير في تبني الذكاء الاصطناعي في مجال التسوق الرقمي، مما يجعل تداعيات هذا التغيير على المنصات العربية ووسائل الإعلام الرقمية العربية مسألة وقت لا أكثر.
ختاما، فإن عصر التصفح اليدوي يتآكل تدريجيا ليحل محله عصر الوكلاء القادرين على الإدراك والتخطيط والتنفيذ، مما قد ينهي حاجتنا للتصفح ويضع نموذج الويب التقليدي في مواجهة أزمة وجودية.





