تحول استراتيجي: هل تستطيع اسرائيل تحقيق استقلال عسكري عن امريكا؟

تحول استراتيجي: هل تستطيع اسرائيل تحقيق استقلال عسكري عن امريكا؟

تعتبر العلاقة العسكرية بين اسرائيل والولايات المتحدة من اقوى التحالفات الاستراتيجية في العالم المعاصر، فقد ترسخت هذه العلاقة عبر عقود من التعاون التكنولوجي، والحروب، والدبلوماسية، وتداخل المصالح الجيوسياسية، لتتحول من علاقة محدودة الى شراكة امنية عميقة ومتشابكة، واليوم تشمل هذه العلاقة المساعدات العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون في مجال الدفاع الصاروخي، والمناورات العسكرية المشتركة، والتنسيق الاستراتيجي في قضايا الشرق الاوسط، ومع ذلك تشير التطورات الاخيرة الى ان هذه العلاقة قد تدخل مرحلة جديدة تسعى فيها اسرائيل الى تعزيز اعتمادها العسكري على نفسها مع الحفاظ على شراكتها الوثيقة مع واشنطن.

لم تبدا العلاقة بوصفها تحالفا فوريا، فعندما اعلن قيام اسرائيل عام 1948 سارع الرئيس الاميركي هاري ترومان الى الاعتراف بها، لكن الولايات المتحدة تجنبت في البداية ان تصبح المورد العسكري الرئيسي لاسرائيل، وخلال خمسينات القرن الماضي برزت فرنسا بوصفها المصدر الاساسي للسلاح الاسرائيلي، بينما بقيت واشنطن حذرة من اغضاب الدول العربية او تهديد المصالح النفطية الغربية في الشرق الاوسط، وبعد ازمة قناة السويس والعدوان الثلاثي عام 1956 فرضت الولايات المتحدة قيودا على تصدير السلاح الى المنطقة الامر الذي ابقى التعاون العسكري محدودا نسبيا.

وبدا التحالف يتعمق خلال ستينات القرن العشرين، ففي عهد الرئيس جون كينيدي وافقت الولايات المتحدة على بيع اسرائيل انظمة دفاعية من بينها صواريخ مضادة للطائرات، لكن التحول الحاسم جاء بعد حرب الايام الستة عام 1967 حين غيرت الانتصارات الاسرائيلية السريعة على الجيوش العربية المدعومة جزئيا من الاتحاد السوفياتي النظرة الاميركية الى اسرائيل خلال الحرب الباردة، فقد بدات واشنطن ترى في اسرائيل حليفا اقليميا قادرا على موازنة النفوذ السوفياتي في الشرق الاوسط، ومنذ ذلك الحين شرعت الولايات المتحدة في تزويد اسرائيل بطائرات متطورة ابرزها طائرات فانتوم اف-4 وبدا بناء شراكة عسكرية طويلة الامد.

وازدادت العلاقة بشكل كبير بعد حرب عام 1973، فعندما شنت مصر وسوريا هجوما مفاجئا على اسرائيل اطلقت الولايات المتحدة عملية نيكل غراس وهي جسر جوي طارئ لنقل الاسلحة والامدادات العسكرية التي ساعدت اسرائيل على استعادة توازنها العسكري، وقد غيرت هذه الحرب طبيعة العلاقات الثنائية اذ ادت الى تعزيز التنسيق الاستخباراتي، وترسيخ الالتزامات الاميركية بالمساعدات العسكرية على المدى الطويل، وتوسيع التخطيط الاستراتيجي المشترك.

وبحلول اواخر السبعينات والثمانينات اصبحت اسرائيل من اكبر متلقي المساعدات العسكرية الاميركية، وخلال رئاسة رونالد ريغان (1981 – 1989) اعتبرت شريكا استراتيجيا في مواجهة النفوذ السوفياتي، وتوسعت المناورات العسكرية المشتركة كما تم تخزين معدات اميركية داخل اسرائيل وازداد تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الانشطة السوفياتية في المنطقة، وفي عام 1987 منحت اسرائيل صفة حليف رئيسي من خارج الناتو وهو ما اتاح لها وصولا مميزا الى التكنولوجيا العسكرية الاميركية وبرامج التعاون الدفاعي.

ومع انهيار الاتحاد السوفياتي تكيفت الشراكة مع واقع امني جديد، فقد ابرزت حرب الخليج عام 1991 اهمية انظمة الدفاع الصاروخي بعد تعرض مدن اسرائيلية لـ39 صاروخ سكود اطلقها الجيش العراقي، وبناء على ذلك كثفت الولايات المتحدة واسرائيل تعاونهما في تطوير انظمة الدفاع المضاد للصواريخ.

وبعد هجمات 11 سبتمبر (ايلول) 2001 تكثف التعاون بين البلدين في مجالات مكافحة الارهاب والامن السيبراني والطائرات المسيرة وتكنولوجيا الحرب داخل المدن.

علاقة مؤسساتية

واليوم اصبحت الشراكة العسكرية مؤسساتية ومتشابكة على مستويات متعددة، فبموجب مذكرة التفاهم الممتدة لـ10 سنوات والموقعة عام 2016 تقدم الولايات المتحدة لاسرائيل نحو 3.8 مليار دولار سنويا كمساعدات عسكرية، ويستخدم جزء كبير من هذه الاموال لشراء اسلحة اميركية متطورة مثل مقاتلات اف 35 اضافة الى الذخائر الدقيقة وانظمة الرادار والمراقبة المتقدمة، ويتعاون الجانبان بشكل وثيق في تطوير انظمة الدفاع الصاروخي مثل القبة الحديدية ومنظومتي مقلاع داود وحيتس اذ تجمع هذه المشاريع بين التمويل والدعم الصناعي الاميركيين والخبرة العملياتية والابتكار الاسرائيليين.

ويعد التعاون الاستخباراتي ركنا اساسيا اخر في العلاقة الى جانب التدريبات البحرية والجوية ومناورات الدفاع الصاروخي المشتركة.

ومع ذلك اصبحت هذه العلاقة موضع جدل متزايد داخل الولايات المتحدة واسرائيل على حد سواء، فمنتقدو التحالف يرون ان حجم المساعدات الاميركية لاسرائيل مبالغ فيه وان واشنطن توفر لاسرائيل حماية دبلوماسية مفرطة، وفي المقابل يؤكد المؤيدون ان اسرائيل تمثل حليفا اساسيا في منطقة حيوية وان التعاون العسكري بين البلدين يحقق فوائد استراتيجية وتكنولوجية مهمة للطرفين.

وازداد هذا الجدل حدة بعد حرب غزة عام 2023 التي دفعت الولايات المتحدة الى تسريع شحنات الاسلحة وتعزيز انتشارها العسكري في المنطقة، وفي المقابل بدا مسؤولون اسرائيليون يتحدثون بشكل متزايد عن ضرورة تقليص الاعتماد على المساعدات العسكرية الاميركية، واخيرا اعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو صراحة رغبته في استغناء اسرائيل تدريجيا عن المساعدات الاميركية خلال العقد المقبل في خطوة ينظر اليها على انها محاولة لتعزيز استقلال القرار السياسي الاسرائيلي.

هدف واقعي؟

هل تستطيع اسرائيل فعلا الاستغناء عن الارتباط العسكري بالولايات المتحدة؟

لا يبدو هذا الطموح بعيدا كليا عن الواقع، فاسرائيل تملك واحدة من اكثر الصناعات الدفاعية تطورا في العالم بوجود شركات مثل شركات صناعات الفضاء الاسرائيلية ورافائيل لانظمة الدفاع المتقدمة والبيت سيستمز، وتطور اسرائيل طائرات مسيرة وانظمة صواريخ وتقنيات للحرب السيبرانية وانظمة للمراقبة والحرب الالكترونية اضافة الى دبابة ميركافا وتحتل المرتبة الثامنة عالميا بين اكبر الدول المصدرة للاسلحة وقد سجلت رقما قياسيا في عام 2024 بلغ 14.8 مليار دولار.

مع ذلك يبقى تحقيق استقلال عسكري كامل عن الولايات المتحدة امرا بالغ الصعوبة، فالقوات الجوية الاسرائيلية تعتمد بشكل كبير على المقاتلات الاميركية مثل إف-35 وإف-15 وإف-16 وهي طائرات تحتاج الى قطع غيار وبرمجيات وصيانة وذخائر اميركية، وخلال الحروب الواسعة جغرافيا وزمنيا تعتمد اسرائيل على الامدادات الاميركية السريعة من القنابل الموجهة والصواريخ الاعتراضية وقذائف المدفعية ومكونات الدفاع الجوي، والاهم من ذلك ان الولايات المتحدة توفر لاسرائيل مظلة استراتيجية ودبلوماسية حيوية سواء عبر الدعم في مجلس الامن الدولي حيث ورقة الفيتو جاهزة دوما او من خلال الردع الاقليمي والتعاون الاستخباراتي.

وتجدر الاشارة الى ان الكونغرس الاميركي وافق اخيرا على 14.5 مليار دولار مساعدات عسكرية اضافية خلال الحرب الحالية، كذلك تقدر تقارير بنك اسرائيل ان تكاليف الحرب للفترة 2023-2025 قد تصل الى 55.6 مليار دولار ما يلقي بعبء ثقيل على الاقتصاد الاسرائيلي ويجعل التخلي عن الدعم المالي والعسكري الاميركي في الوقت الراهن تحديا كبيرا.

بل ان ثمة محللين يرون ان في كلام نتنياهو مناورة ترمي الى قطع الطريق على اي تلكؤ اميركي في تزويد اسرائيل كل ما تحتاج اليه من اسلحة وذخائر، وقد سبق له ان لام ادارة الرئيس جو بايدن على تاخرها في مد جيشه بما يريده الامر الذي ادى الى ارتفاع عدد القتلى في صفوف الجنود الاسرائيليين في غزة حسب زعمه.

ويمكن القول ختاما انه من غير المرجح ان يشهد المستقبل انفصالا كاملا بين البلدين على مستوى العلاقات العسكرية، بل يبدو ان العلاقة تتجه نحو نموذج اكثر توازنا تسعى فيه اسرائيل الى تعزيز اكتفائها الذاتي مع الحفاظ على تعاون استراتيجي عميق مع الولايات المتحدة، وهكذا قد تتحول العلاقة تدريجيا من نموذج المانح والمتلقي الى شراكة بين قوتين عسكريتين متداخلتين تعملان بتنسيق كامل.