الذكاء الاصطناعي: هل ينحاز لروايتك وكيف تضبط إجاباته؟

الذكاء الاصطناعي: هل ينحاز لروايتك وكيف تضبط إجاباته؟

لم يعد الخطر محصورا في استبدال الذكاء الاصطناعي للإنسان في مجال العمل، بل تعداه ليحل محل الضمير، فمع لجوء الملايين إلى النماذج الاصطناعية للاستفسار عما إذا كانوا على صواب في خلافاتهم الشخصية، يبرز سؤال حول تأثير ذلك على مهاراتنا في حل النزاعات وكيفية الاستفادة من هذه الأدوات دون التخلي عن ضمائرنا.

وتميل النماذج الأكثر شهرة، وفقا لدراسة نشرت في مجلة "ساينس"، إلى تبني وجهة نظر واحدة تقريبا وهي "أنت على حق"، وهذا ما يثير تساؤلات حول مستقبل قدرتنا على حل الخلافات والاستفادة من التكنولوجيا بشكل مسؤول.

مستشارك المتملق

نشر فريق من الباحثين في علم النفس الاجتماعي وعلوم الحاسوب بجامعة ستانفورد دراسة في مجلة "ساينس" بعنوان "الذكاء الاصطناعي المتملق يضعف الصلات الاجتماعية ويغلب حب الذات".

واكتشف الفريق أن 11 نموذجا من بين النماذج الأكثر استخداما، مثل "شات جي بي تي" و"كلود" و"جيمناي" و"ديب سيك"، تميل إلى تأييد المستخدمين في مواقفهم الشخصية، حتى لو كان سلوكهم ظالما أو غير قانوني.

وفي المرحلة الأولى من الدراسة، قام الباحثون بتحليل حوالي 12 ألف موقف اجتماعي حقيقي مأخوذة من منصات مثل "ريديت"، تحديدا من منتدى فرعي يسمى "هل أنا المخطئ؟"، ثم قارنوا أحكام الذكاء الاصطناعي بأحكام المعلقين على المنصة، ووجدوا أن النماذج غالبا ما تقول لصاحب القصة "أنت محق"، حتى في المواقف التي يرى فيها البشر بوضوح أنه "مخطئ"، وذلك بمعدل يزيد بنحو 49% عن الحالات التي يساند فيها البشر صاحب الشكوى.

وفي المرحلة الثانية من الدراسة، بحث الفريق كيفية تفاعل البشر مع تملق الذكاء الاصطناعي، بمشاركة 2405 شخصا طُلب منهم مناقشة مشكلاتهم الشخصية مع نماذج ذكاء اصطناعي متملقة وأخرى محايدة.

وأظهرت النتائج أنه كلما كان النموذج أكثر تأييدا للمستخدم، زادت ثقته به واقتناعه بصواب موقفه، وكان أكثر استعدادا لاستشارته في أمور مماثلة في المستقبل.

وافاد بعض المشاركين بعد التجربة بأنهم أصبحوا أقل استعدادا للاعتذار أو مسامحة الطرف الآخر، وتراجعت احتمالية التفاهم أو تقديم حسن الظن، ولعل من أخطر النتائج هو عجز المشاركين عن تمييز التأييد في إجابات نماذج الذكاء الاصطناعي، نظرا لكونه غير مباشر في الغالب.

النفاق خدعة إستراتيجية

نشرت شركة "أوبن إيه آي" في نهاية العام الماضي نتائج دراسة إحصائية واسعة شملت عينة عشوائية تقارب 1.1 مليون محادثة لمستخدمين بالغين على اشتراكات الأفراد.

وتبين أن حوالي نصف الرسائل تصنف ضمن فئة "السؤال" طلبا للمشورة والمعلومات التي تساعد في اتخاذ القرارات المتعلقة بالعمل أو الدراسة أو الحياة الشخصية، وقد استغلت شركات عديدة من بينها "أوبن إيه آي" هذا الأمر لتطوير نماذج تحاكي الرفاق، حيث يسألها المستخدم عن العمل والعلاقات.

وفي هذا السياق، نشرت مجلة "نيتشر" مقالا بعنوان "الأخطار العاطفية للرفقاء الاصطناعيين تستوجب الانتباه"، وأشار المقال إلى ميل شركات التقنية إلى تصميم نماذج ذكاء اصطناعي قائمة على التفاعل بينها وبين المستخدمين بهدف زيادة مدة الاستخدام ورضا المستخدم من خلال بعض الحوافز المضللة.

وتاكد ذلك بعد تحديث نموذج "جي بي تي 4 أو"، إذ لوحظ ازدياد ميل النموذج إلى مجاراة مشاعر المستخدم وتأكيد افتراضاته المؤذية بدلا من تصحيحها أو موازنتها.

ولم يقتصر هذا السلوك على العبارات اللطيفة، بل تعداه ليشمل تغذية الشكوك وإثارة الغضب وتشجيع القرارات المتهورة وتعزيز المشاعر السلبية لدى بعض المستخدمين.

واعترفت الشركة المطورة في النهاية بوجود أخطار تتعلق بالصحة النفسية والاعتماد العاطفي والسلوكيات الخطرة المرتبطة بطريقة استجابة النموذج وتفاعله الطويل مع الأفراد المستضعفين نفسيا، والذين أكدت نتائج دراسة من جامعة كورنيل قدرتهم على استهدافهم باستراتيجيات تلاعبية لتحسين تقييماتهم.

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي؟

بعد أن تعرفنا على أننا قد لا نكون على صواب دائما عند استشارة الذكاء الاصطناعي في الأمور الشخصية، يجب أن نسأل أنفسنا عن الهدف من استخدامه في كل استشارة، فهل نبحث عمن يوافقنا على آرائنا أم نسعى إلى إجابة صحيحة تساعدنا على تحسين قراراتنا وسلوكياتنا؟

واذا كنت تبحث عن رفيق، فعليك أن تكون على دراية بنوايا مصممي هذه الآلات، وفي كلتا الحالتين، إليك 4 طرق للحصول على الإجابة الأدق لاستفساراتك الشخصية:

1- وضح هدفك

اذكر بوضوح في بداية الحوار أنك تفضل الدقة على المجاملة وأنك لا تحتاج إلى التأييد، بل إلى التفسير، على سبيل المثال "أريد إجابة محايدة قدر الإمكان، ركز على الأدلة والاختلافات الحقيقية في الآراء، ولا تحاول إرضائي أو مجاملتي"، أو "صحح أي خطأ في افتراضي/ في سلوكي صراحة، حتى لو كنت واثقا من رأيي، اعرض الحجج المؤيدة والمعارضة، واذكر مستوى ثقتك، وتجنب التعليقات الإيجابية عن شخصي أو عن جودة سؤالي".

2- اطلب آراء متنوعة

استخدم عبارات مثل "أريدك أن تعرض 3 زوايا: كيف قد يرى الطرف الآخر الموقف؟ كيف قد يراه صديق محايد؟ كيف قد يراه معالج نفسي؟"، أو "لا تكتف بتبني وجهة نظري، بل أشر بوضوح إلى مواضع انحيازي أو خطئي، وكذلك نقاط خطأ أو صواب الطرف الآخر"، أو "اعرض خمسة احتمالات واقعية/ منطقية لتفسير سلوك الطرف الآخر".

3- ضعه تحت الاختبار

صغ طلبك على أنه اختبار للتحقق من فهمه لرغبتك في مقاومة التملق، مثل "أعد صياغة موقفي باختصار للتأكد من فهمك لغرضي منك/ هذا الحوار تجربة لاختبار قدرتك على مقاومة التملق/ لا تغير موقفك إلا إذا قدمت دليلا جديدا وقويا".

4- اطلب التعاطف لا النفاق

إذا لم تكن مستعدا للتفكير النقدي في أمر يحزنك، يمكنك كتابة "اعترف بمشاعري وألمي، ثم انتقل سريعا إلى تحليل موضوعي لما يحدث ومسؤوليتي فيه، لا تخف الملاحظات الصعبة حرصا على مشاعري، بل قدمها بلغة محترمة وواضحة، واقترح تجارب صغيرة أو أسئلة عملية يمكنني استخدامها لاختبار أفكاري على أرض الواقع".